![]() |
![]() |
![]() |
||
![]() |
|
![]() |
||
![]() |
![]() |
![]() |
|
|||||||
| الخيمــــــة الرمضانيــــــة ارشيف مواضيع البوابة الرمضانية للأعوام الماضية |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#20 (permalink) |
|
كاتب قدير
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581
|
الحلقة ( 6 ) هذه الحلقة قد تكون مطولة و لكن تحمل من العبر و الفوائد الشيء الكثير و آثرت أن لا أقسمها على حلقات , فأسأل الله أن ينفعنا بما علمنا و أن يعلمنا ماينفعنا و أن يتقبل من . سورة النمل " ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داود " الى آخر القصة يذكر في هذا القرآن ، وينوه بمنته على داود وسليمان ابنه ، بالعلم الواسع الكثير ، بدليل التنكير ، كما قال تعالى : " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما " الآية . " وقالا " شاكرين لربهما منته ، الكبرى بتعليمهما : " الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين " فحمدا لله على جعلهما من المؤمنين ، أهل السعادة ، وأنهما كانا من خواصهم . ولا شك أن المؤمنين أربع درجات : الصالحون ، ثم فوقهم : الشهداء ، ثم فوقهم : الصديقون ، ثم فوقهم : الأنبياء . وداود وسليمان ، من خواص الرسل ، وإن كانا دون درجة أولي العزم الخمسة . لكنهما من جملة الرسل الفضلاء الكرام ، الذين نوه الله بذكرهم ، ومدحهم في كتابه ، مدحا عظيما ، فحمدا الله على بلوغ هذه المنزلة . وهذا عنوان سعادة العبد ، أن يكون شاكرا لله على نعمه ، الدينية والدنيوية ، وأن يرى جميع النعم من ربه . فلا يفخر بها ولا يعجب بها ، بل يرى أنها تستحق عليه شكرا كثيرا . فلما مدحهما مشتركين ، خص سليمان ، بما خصه به ، لكون الله أعطاه ملكا عظيما ، وصار له من المجريات ، ما لم يكن لأبيه ، صلى الله عليهما وسلم ، فقال : " وورث سليمان داود " أي : ورث علمه ونبوته ، فانضم علم أبيه إلى علمه ، فلعله ، تعلم من أبيه ما عنده ، من العلم ، مع ما كان عليه من العلم وقت أبيه ، كما تقدم من قوله ففهمناها سليمان . وقال : شكرا لله ، وتبجحا بإحسانه ، وتحدثا بنعمته : " يا أيها الناس علمنا منطق الطير " فكان عليه الصلاة والسلام ، يفقه ما تقول ، وتتكلم به ، كما راجع الهدهد ، وراجعه ، وكما فهم قول النملة للنمل ، كما يأتي ، وهذا ، لم يكن لأحد غير سليمان عليه السلام . " وأوتينا من كل شيء " أي : أعطانا الله من النعم ، ومن أسباب الملك ، ومن السلطنة والقهر ، ما لم يؤت أحدا من الآدميين . ولهذا دعا ربه فقال : " رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي " فسخر الله له الشياطين ، يعملون له كل ما شاء ، من الأعمال ، التي يعجز عنها غيرهم ، وسخر له الريح ، غدوها شهر ، ورواحها شهر . " إن هذا " الذي أعطانا الله ، وفضلنا ، واختصنا به " لهو الفضل المبين " الواضح الجلي ، فاعترف أكمل اعتراف بنعمة الله تعالى . " وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون " أي : جمع له جنوده الكثيرة ، الهائلة ، المتنوعة ، من بني آدم ، ومن الجن ، والشياطين ، ومن الطيور فهم يوزعون ، يدبرون ، ويرد أولهم على آخرهم ، وينظمون غاية التنظيم ، في سيرهم ونزولهم ، وحلهم ، وترحالهم قد استعد لذلك ، وأعد له عدته . وكل هذه الجنود مؤتمرة بأمره ، لا تقدر على عصيانه ، ولا تتمرد عليه ، كما قال تعالى : " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك " أي : أعط بغير حساب ، فسار بهذه الجنود الضخمة في بعض أسفاره . " حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة " منبهة لرفقتها ، وبني جنسها : " يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون " . فنصحت هذه النملة ، وأسمعت النمل ، إما بنفسها ، ويكون الله قد أعطى النمل أسماعا خارقة للعادة ، لأن التنبيه للنمل ، الذي قد ملأ الوادي بصوت نملة واحدة ، من أعجب العجائب . وإما بأنها أخبرت من حولها من النمل ، ثم سرى الخبر من بعضهن لبعض ، حتى بلغ الجميع ، وأمرتهن بالحذر ، والطريق في ذلك ، وهو دخول مساكنهن . وعرفت حالة سليمان وجنوده ، وعظمة سلطانه ، واعتذرت عنهم ، أنهم إن حطموكم ، فليس عن قصد منهم ، ولا شعور ، فسمع سليمان عليه الصلاة والسلام قولها ، وفهمه . " فتبسم ضاحكا من قولها " إعجابا منه ، بنصح أمتها ، ونصحها ، وحسن تعبيرها . وهذا حال الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، الأدب الكامل ، والتعجب في موضعه ، وأن لا يبلغ بهم الضحك ، إلا إلى التبسم . كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم جل ضحكه ، التبسم ، فإن القهقهة ، تدل على خفة العقل ، وسوء الأدب . وعدم التبسم والعجب ، مما يتعجب منه ، يدل على شراسة الخلق ، والجبروت . والرسل منزهون عن ذلك . وقال شاكرا لله ، الذي أوصله إلى هذه الحال : " رب أوزعني " أي : ألهمني ووفقني " أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي " . فإن النعمة على الوالدين ، نعمة على الولد . فسأل ربه ، التوفيق للقيام بشكر نعمته ، الدينية ، والدنيوية ، عليه وعلى والديه . " وأن أعمل صالحا ترضاه " أي : ووفقني أن أعمل صالحا ترضاه ، لكونه موافقا لأمرك ، مخلصا فيه ، سالما من المفسدات والمنقصات . " وأدخلني برحمتك " التي منها الجنة " في " جملة " عبادك الصالحين " فإن الرحمة مجعولة للصالحين ، على اختلاف درجاتهم ومنازلهم . فهذا نموذج ، ذكره الله من حالة سليمان ، عند سماعه خطاب النملة ونداءها . ثم ذكر نموذجا آخر من مخاطبته للطير فقال : " وتفقد الطير " دل هذا ، على كمال عزمه وحزمه ، وحسن تنظيمه لجنوده ، وتدبيره بنفسه ، للأمور الصغار والكبار . حتى إنه لم يهمل هذا الأمر ، وهو : تفقد الطيور ، والنظر ، هل هي موجودة كلها ، أم مفقود منها شيء ؟ وهذا هو المعنى للآية . ولم يصنع شيئا من قال : إنه تفقد الطير ، لينظر أين الهدهد منه ، ليدله على بعد الماء وقربه ، كما زعموا عن الهدهد ، أنه يبصر الماء تحت الأرض الكثيفة ، فإن هذا القول ، لا يدل عليه دليل ، بل الدليل العقلي واللفظي ، دال على بطلانه . أما العقلي : فإنه قد عرف بالعادة ، والتجارب ، والمشاهدات ، أن هذه الحيوانات كلها ، ليس منها شيء يبصر هذا البصر الخارق للعادة ، وينظر الماء تحت الأرض الكثيفة ، ولو كان كذلك ، لذكره الله ، لأنه من أكبر الآيات . وأما الدليل اللفظي : فلو أريد هذا المعنى ، لقال : « وطلب الهدهد لينظر له الماء ، فلما فقده قال ما قال » أو « فتش عن الهدهد ، أو بحث عنه » ونحو ذلك من العبارات . وإنما تفقد الطير ، لينظر الحاضر منها والغائب ، ولزومها للمراكز والمواضع ، التي عينها لها . وأيضا فإن سليمان عليه السلام ، لا يحتاج ، ولا يضطر إلى الماء ، بحيث يحتاج لهندسة الهدهد . فإن عنده من الشياطين ، والعفاريت ، ما يحفرون له الماء ، ولو بلغ في العمق ما بلغ . وسخر الله له الريح ، غدوها شهر ، ورواحها شهر ، فكيف ـ مع ذلك ـ يحتاج إلى الهدهد ؟ وهذه التفاسير ، التي توجد ، وتشتهر بها أقوال ، لا يعرف غيرها ، تنقل هذه الأقوال عن بني إسرائيل ، مجردة ، ويغفل الناقل عن مناقضتها للمعاني الصحيحة ، وتطبيقها على الأقوال ، ثم لا تزال تتناقل ، وينقلها المتأخر مسلما للمتقدم ، حتى يظن أنها الحق . فيقع من الأقوال الردية في التفاسير ، ما يقع . واللبيب الفطن ، يعرف أن هذا القرآن الكريم ، العربي المبين ، الذي خاطب الله به الخلق كلهم ، عالمهم ، وجاهلهم ، وأمرهم بالتفكر في معانيه ، وتطبيقها على ألفاظه العربية المعروفة المعاني ، التي لا تجهلها العرب العرباء ، وإذا وجد أقوالا منقولة عن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ردها إلى هذا الأصل . فإن وافقه ، قبلها ، لكون اللفظ دالا عليها ، وإن خالفته لفظا ومعنى ، أو لفظا أو معنى ، ردها ، وجزم ببطلانها ، لأن عنده أصلا معلوما ، مناقضا لها ، وهو ما يعرفه من معنى الكلام ودلالته . والشاهد أن تفقد سليمان عليه السلام للطير ، وفقده الهدهد ، يدل على كمال حزمه وتدبيره للملك بنفسه ، وكمال فطنته ، حتى تفقد هذا الطائر الصغير " فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين " أي : هل عدم رؤيتي إياه ، لقلة فطنتي به ، لكونه خفيا بين هذه الأمم الكثيرة ؟ . أم على بابها ، بأن كان غائبا من غير إذني ، ولا أمري ؟ . فحينئذ تغيظ عليه ، وتوعده فقال : " لأعذبنه عذابا شديدا " دون القتل ، " أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين " أي : حجة واضحة على تخلفه . وهذا من كمال ورعه وإنصافه ، أنه لم يقسم على مجرد عقوبته ، بالعذاب أو القتل ، لأن ذلك لا يكون إلا من ذنب . وغيبته ، قد تحتمل أنها لعذر واضح ، فلذلك استثناه ، لورعه وفطنته . " فمكث غير بعيد " ثم جاء ، وهذا يدل على هيبة جنوده منه ، وشدة أئتمارهم لأمره ، حتى إن هذا الهدهد ، الذي خلفه العذر الواضح ، لم يقدر على التخلف زمنا كثيرا . ( فقال ) لسليمان " أحطت بما لم تحط به " عندي من العلم ، علم ما أحطت به ، على علمك الواسع ، وعلو درجتك فيه . " وجئتك من سبإ " القبيلة ، المعروفة في اليمن " بنبإ يقين " أي : خبر متيقن . ثم فسر هذا النبأ فقال : " إني وجدت امرأة تملكهم " أي : تملك قبيلة سبأ ، وهي امرأة " وأوتيت من كل شيء " يؤتاه الملوك ، من الأموال ، والسلاح ، والجنود ، والحصون ، والقلاع ونحو ذلك . " ولها عرش عظيم " أي : كرسي ملكها ، الذي تجلس عليه ، عرش هائل . وعظم العروش ، تدل على عظمة المملكة وقوة السلطان وكثرة رجال الشورى . " وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله " أي : هم مشركون يعبدون الشمس . " وزين لهم الشيطان أعمالهم " فرأوا ما هم عليه هو الحق . " فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون " لأن الذي يرى أن الذي هو عليه حق ، لا مطمع في هدايته حتى تتغير عقيدته . ثم قال : " إلا " أي : هلا " يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض " أي : يعلم الخفي الخبيء ، في أقطار السموات ، وأنحاء الأرض ، من صغار المخلوقات ، وبذور النباتات ، وخفايا الصدور . ويخرج خبء الأرض والسماء ، بإنزال المطر ، وإنبات النباتات ، ويخرج خبء الأرض عند النفخ في الصور وإخراج الأموات من الأرض ، ليجازيهم بأعمالهم " ويعلم ما تخفون وما تعلنون " " الله لا إله إلا هو " أي : لا تنبغي العبادة ، والإنابة ، والذل ، والحب ، إلا له ، لأنه المألوه ، لما له من الصفات الكاملة ، والنعم الموجبة لذلك . " رب العرش العظيم " الذي هو سقف المخلوقات ووسع الأرض والسموات . فهذا الملك ، عظيم السلطان ، كبير الشأن ، هو الذي يذل له ، ويخضع ، يسجد له ، ويركع . فسلم الهدهد ، حين ألقي إليه هذا النبأ العظيم ، وتعجب سليمان كيف خفي عليه . وقال مثبتا لكمال عقله ورزانته : " سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا " وسيأتي نصه " فألقه إليهم ثم تول عنهم " أي : استأخر غير بعيد " فانظر ماذا يرجعون " إليك وما يتراجعون به . فذهب به فألقاه عليها ، فقالت لقومها : " إني ألقي إلي كتاب كريم " أي : جليل المقدار ، من أكبر ملوك الأرض . ثم بينت مضمونه فقالت : " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين " أي : لا تكونوا فوقي ، بل اخضعوا تحت سلطاني ، وانقادوا لأوامري ، وأقبلوا إلي مسلمين . وهذا في غاية الوجازة ، مع البيان التام ، فإنه تضمن نهيهم عن العلو عليه ، والبقاء على حالهم ، التي هم عليها والانقياد لأمره ، والدخول تحت طاعته ، ومجيئهم إليه ، ودعوتهم إلى الإسلام . وفيه استحباب ابتداء الكتب بالبسملة كاملة ، وتقديم الاسم في أول عنوان الكتاب . فمن حزمها وعقلها ، أن جمعت كبار دولتها ، ورجال مملكتها وقالت : " يا أيها الملأ أفتوني في أمري " أي : أخبروني ، ماذا نجيبه به ؟ وهل ندخل تحت طاعته ، وننقاد ؟ أم ماذا نفعل ؟ " ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون " أي : ما كنت مستبدة بأمر ، دون رأيكم ومشورتكم . " قالوا نحن أولوا قوة وأولو بأس شديد " أي : إن رددت عليه قوله ، ولم تدخلي في طاعته ، فإنا أقوياء على القتال . فكأنهم مالوا إلى هذا الرأي ، الذي لو تم ، لكان فيه دمارهم . ولكنهم أيضا لم يستقروا عليه ، بل قالوا : " والأمر إليك " أي : الرأي ما رأيت ، لعلمهم بعقلها ، وحزمها ، ونصحها لهم " فانظري " نظر فكر وتدبر " ماذا تأمرين " . فقالت لهم ـ مقنعة لهم بالعدول عن رأيهم ، ومبينة سوء مغبة القتال ـ " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها " قتلا ، وأسرا ، ونهبا لأموالها ، وتخريبا لديارها . " وجعلوا أعزة أهلها أذلة " أي : جعل الرؤساء السادة ، أشراف الناس من الأرذلين ، أي : فهذا رأي غير سديد . وأيضا فلست بمطيعة له ، قبل الاحتيال ، وإرسال من يكشف عن أحواله ويتدبرها . وحينئذ نكون على بصيرة من أمرنا . فقالت : " وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون " منه . هل يستمر على رأيه قوله ؟ أم تخدعه الهدية ، وتتبدل فكرته ، وكيف أحواله وجنوده ؟ فأرسلت إليه بهدية ، مع رسل من عقلاء قومها ، وذوي الرأي منهم . " فلما جاء سليمان " أي : جاءه الرسل بالهدية ( قال ) منكرا عليهم ومتغيظا على عدم إجابتهم : " أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم " فليست تقع عندي موقعا ، ولا أفرح بها ، قد أغناني الله عنها ، وأكثر علي النعم . " بل أنتم بهديتكم تفرحون " لحبكم للدنيا ، وقلة ما بأيديكم ، بالنسبة لما أعطاني الله . ثم أوصى الرسول من غير كتاب ، لما رأى من عقله ، وأنه سينقل كلامه عى وجهه فقال : " ارجع إليهم " أي : بهديتك " فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم " أي : لا طاقة لهم " بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون " ، فرجع إليهم ، وأبلغهم ما قال سليمان ، وتجهزوا للمسير إلى سليمان . وعلم سليمان أنهم لا بد أن يسيروا إليه ، فقال لمن حضره من الجن والإنس : " أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين " أي : لأجل أن نتصرف فيه ، قبل أن يسلموا ، فتكون أموالهم محترمة " قال عفريت من الجن " والعفريت هو : القوي النشيط جدا : " أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين " ، والظاهر أن سليمان إذ ذاك ، في الشام ، فيكون بينه وبين سبأ ، نحو مسيرة أربعة أشهر ، شهران ذهابا ، وشهران إيابا ، ومع ذلك ، يقول هذا العفريت : أنا ألتزم بالمجيء به ، على كبره وثقله . وبعده ، قبل أن تقوم من مجلسك ، الذي أنت فيه . والمعتاد من المجالس الطويلة ، أن تكون معظم الضحى ، نحو ثلث يوم ، هذا نهاية المعتاد ، وقد يكون دون ذلك ، أو أكثر . وهذا الملك العظيم ، الذي عند آحاد رعيته ، هذه القوة ، والقدرة ، وأبلغ من ذلك أن " قال الذي عنده علم من الكتاب " قال المفسرون : هو رجل عالم ، صالح ، عند سليمان يقال له : « آصف بن برخيا » كان يعرف اسم الله الأعظم ، الذي إذا دعا الله به أجاب ، وإذا سأل به أعطي . " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " بأن يدعو الله بذلك الأسم ، فيحضر حالا ، وأنه دعا الله فحضر . فالله أعلم ، هل هذا هو المراد ، أم أن عنده علما من الكتاب ، يقتدر به على جلب البعيد ، وتحصيل الشديد ؟ " فلما رآه مستقرا عنده " حمد الله تعالى على إقداره وملكه ، وتيسير الأمور له ، " قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر " أي : ليختبرني بذلك . فلم يغتر عليه السلام ، بملكه ، وسلطانه ، وقدرته ، كما هو دأب الملوك الجاهلين . بل علم أن ذلك اختبار من ربه فخاف أن لا يقوم بشكر هذه النعمة . ثم بين أن هذا الشكر ، لا ينتفع الله به ، وإنما يرجع نفعه إلى صاحبه ، فقال : " ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم " غني عن أعماله ، كريم ، كثير الخير ، يعم به الشاكر والكافر ، إلا أن شكر نعمه ، داع للمزيد منها ، وكفرها ، داع لزوالها . ثم قال لمن عنده " نكروا لها عرشها " أي : غيروه بزيادة ونقص ، ونحن في ذلك " ننظر " مختبرين لعقلها " أتهتدي " للصواب ، ويكون عندها ذكاء وفطنة تليق بملكها " أم تكون من الذين لا يهتدون " " فلما جاءت " قادمة على سليمان ، عرض عليها عرشها ، وكان عهدها به ، قد خلفته في بلدها . و " قيل أهكذا عرشك " أي : أنه استقر عندنا ، أن لك عرشا عظيما ، فهل هو كهذا العرش ، الذي أحضرناه لك ؟ " قالت كأنه هو " وهذا من ذكائها وفطنتها ، لم تقل « هو » لوجود التغيير فيه والتنكير ، ولم تنف أنه هو ، لأنها عرفته . فأتت بلفظ محتمل للأمرين ، صادق على الحالين . فقال سليمان متعجبا من هدايتها وعقلها ، وشاكرا لله ، أن أعطاه أعظم منها . " وأوتينا العلم من قبلها " أي : الهداية ، والعقل ، والحزم ، من قبل هذه الملكة . " وكنا مسلمين " وهي الهداية النافعة الأصلية . ويحتمل أن هذا من قول ملكة سبأ « وأوتينا العلم عن ملك سليمان وسلطانه ، فزيادة اقتداره ، من قبل هذه الحالة ، التي رأينا فيها قدرته ، على إحضار العرش ، من المسافة البعيدة ، فأذعنا له ، وجئنا مسلمين له خاضعين لسلطانه » . قال الله تعالى : " وصدها ما كانت تعبد من دون الله " أي : عن الإسلام وإلا فلها من الذكاء والفطنة ، ما به تعرف الحق من الباطل ، ولكن العقائد الباطلة ، تذهب بصيرة القلب " إنها كانت من قوم كافرين " فاستمرت على دينهم . وانفراد الواحد عن أهل الدين ، والعادة المستمرة بأمر ، يراه بعقله من ضلالهم وخطأهم ، من أندر ما يكون ، فلهذا لا يستغرب بقاؤها على الكفر . ثم إن سليمان أراد ، أن ترى من سلطانه ، ما يبهر العقول ، فأمرها أن تدخل الصرح ، وهو المجلس المرتفع المتسع ، وكان مجلسا من قوارير ، تجري تحته الأنهار . " قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة " ماء ، لأن القوارير شفافة ، يرى الماء الذي تحتها ، كأنه بذاته ، يجري ، ليس دونه شيء . " وكشفت عن ساقيها " لتخوضه ، وهذا أيضا من عقلها ، وأدبها ، فإنها لم تمتنع من الدخول للمحل ، الذي أمرت بدخوله ، لعلمها أنها لم تستدع إلا للإكرام وأن ملك سليمان وتنظيمه ، قد بناه على الحكمة ، ولم يكن في قلبها أدنى شك ، من حالة السوء بعد ما رأت ، ما رأت . فلما استعدت للخوض قيل لها " إنه صرح ممرد " أي : مجلس " من قوارير " فلا حاجة منك لكشف الساقين . فحينئذ لما وصلت إلى سليمان ، وشاهدت ما شاهدت ، وعلمت نبوته ورسالته ، ثابت ورجعت عن كفرها ، و " قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين " . فهذا ما قصه الله علينا ، من قصة ملكة سبأ ، وما جرى لها مع سليمان ، وما عدا ذلك من الفروع المولدة ، والقصص الإسرائيلية ، فإنه لا يتعلق بالتفسير لكلام الله ، وهو من الأمور ، التي يتوقف الجزم بها ، على الدليل المعلوم عن المعصوم . والمنقولات في هذا الباب كلها ، أو أكثرها ، ليس كذلك . فالحزم كل الحزم ، الإعراض ، عنها ، وعدم إدخالها في التفاسير والله أعلم . |
|
|
|
|
#21 (permalink) |
|
كاتب قدير
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581
|
الحلقة ( 7 ) " ولما توجه تلقاء مدين " أي : قاصدا بوجهه مدين ، وهو جنوبي فلسطين ، حيث لا ملك فيه لفرعون . " قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " أي : وسط الطريق المختصر ، الموصل إليها ، بسهولة ورفق ، فهداه الله سواء السبيل ، فوصل إلى مدين . " ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون " مواشيهم ، وكانوا أهل ماشية كثيرة " ووجد من دونهم " أي : دون تلك الأمة " امرأتين تذودان " غنمهما ، عن حياض الناس ، لعجزهما عن مزاحمة الرجال ، وبخلهم ، وعدم مروءتهم ، السقي لهما . " قال " لهما موسى " ما خطبكما " أي : ما شأنكما بهذه الحالة . " قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء " أي : قد جرت العادة أنه لا يحصل لنا سقي حتى يصدر الرعاء مواشيهم ، فإذا خلا لنا الجو ، سقينا . " وأبونا شيخ كبير " أي : لا قوة له على السقي ، فليس فينا قوة ، نقتدر بها ، ولا لنا رجال ، يزاحمون الرعاء . فرق لهما موسى عليه السلام ورحمهما " فسقى لهما " غير طالب منهما الأجر ، ولا له قصد ، غير وجه الله تعالى . فلما سقى لهما ، وكان ذلك وقت شدة حر ، وسط النهار ، بدليل قوله : " ثم تولى إلى الظل " مستريحا لتلك الظلال بعد التعب . " فقال " في تلك الحالة ، مسترزقا ربه " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " أي : إني مفتقر للخير ، الذي تسوقه إلي ، وتيسره لي ، وهذا سؤال منه بحاله ، والسؤال بالحال ، أبلغ من السؤال بلسان المقال . فلم يزل في هذه الحالة ، داعيا ربه متملقا . وأما المرأتان ، فذهبتا إلى أبيهما ، وأخبرتاه بما جرى . فأرسل أبوهما ، إحداهما إلى موسى ، فجاءته " تمشي على استحياء " . وهذا يدل على كرم عنصرها ، وخلقها الحسن ، فإن الحياء من الأخلاق الفاضلة ، وخصوصا في النساء . ويدل على أن موسى عليه السلام ، لم يكن فيما فعله من السقي ، بمنزلة الأجير والخادم ، الذي لا يستحى منه عادة ، وإنما هو عزيز النفس ، رأت من حسن خلقه ، ومكارم أخلاقه ، ما أوجب لها الحياء منه . " قالت " له : " إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا " أي : لا لمن عليك ، بل أنت الذي ابتدأتنا بالإحسان ، وإنما قصده أن يكافئك على أحسانك . فأجابها موسى . " فلما جاءه وقص عليه القصص " من ابتداء السبب الموجب لهربه ، إلى أن وصل إليه " قال " مسكنا روعه ، جابرا قلبه : " لا تخف نجوت من القوم الظالمين " أي : ليذهب خوفك وروعك ، فإن الله نجاك منهم ، حيث وصلت إلى هذا المحل ، الذي ليس لهم عليه سلطان . " قالت إحداهما " أي : أحدى ابنتيه " يا أبت استأجره " أي : اجعله أجيرا عندك ، يرعى الغنم ويسقيها . " إن خير من استأجرت القوي الأمين " أي : إن موسى ، أولى من استؤجر ، فإنه جمع القوة والأمانة ، وخير أجير استؤجر ، من جمعهما ، القوة والقدرة ، على ما استؤجر عليه ، والأمانة فيه بعدم الخيانة . وهذان الوصفان ، ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملا ، بإجارة أو غيرها . فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما ، أو فقد إحداهما ، وأما باجتماعهما ، فإن العمل يتم ويكمل . وإنما قالت ذلك ، لأنها شاهدت من قوة موسى عند السقي لهما ، ونشاطه ، ما عرفت به قوته ، وشاهدت من أمانته وديانته ، وأنه رحمهما في حالة لا يرجى نفعهما ، وإنما قصده بذلك وجه الله تعالى . " قال " صاحب مدين لموسى " إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني " أي : تصير أجيرا عندي " ثماني حجج " أي : ثماني سنين . " فإن أتممت عشرا فمن عندك " تبرع منك ، لا شيء واجب عليك . " وما أريد أن أشق عليك " فأحتم عشر السنين ، وما أريد أن أستأجرك ، لأكلفك أعمالا شاقة ، وإنما استأجرتك ، لعمل سهل يسير ، لا مشقة فيه " ستجدني إن شاء الله من الصالحين " فرغبه في سهولة العمل ، وفي حسن المعاملة . وهذا يدل على أن الرجل الصالح ، ينبغي أن يحسن خلقه ، مهما أمكنه ، وأن الذي يطلب منه ، أبلغ من غيره . " قال " موسى عليه السلام ـ مجيبا له فيما طلبه منه ـ : " ذلك بيني وبينك " أي : هذا الشرط ، الذي أنت ذكرت ، رضيت به ، وقد تم فيما بيني وبينك . " أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي " سواء قضيت الثماني الواجبة ، أم تبرعت بالزائد عليها " والله على ما نقول وكيل " حافظ يراقبنا ، ويعلم ما تعاقدنا عليه . وهذا الرجل ، أبو المرأتين ، صاحب مدين ، ليس بشعيب النبي المعروف ، كما اشتهر عن كثير من الناس ، فإن هذا قول لم يدل عليه دليل . وغاية ما يكون ، أن شعيبا عليه السلام ، قد كانت بلده مدين ، هذه القضية ، جرت في مدين ، فأين الملازمة بين الأمرين ؟ . وأيضا ، فإنه غير معلوم ، أن موسى أدرك زمان شعيب ، فكيف بشخصه ؟ ولو كان ذلك الرجل شعيبا ، لذكره الله تعالى ، ولسمته المرأتان ، أيضا فإن شعيبا ، عليه الصلاة والسلام ، قد أهلك الله قومه بتكذيبهم إياه . ولم يبق إلا من آمن به . وقد أعاذ الله المؤمنين به ، أن يرضوا لبنتي نبيهم ، وبمنعهما عن الماء ، وصد ماشيتهما ، حتى يأتيهما رجل غريب ، فيحسن إليهما ، ويسقي ماشيتهما . وما كان شعيب ، ليرضى أن يرعى موسى عنده ، ويكون خادما له ، وهو أفضل منه ، وأعلى درجة ، إلا أن يقال : هذا قبل نبوة موسى ، فلا منافاة . وعلى كل حال ، لا يعتمد على أنه شعيب النبي ، بغير نقل صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم . |
|
|
|
|
#23 (permalink) |
|
كاتب قدير
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581
|
فائدة و عبرة قرأت التاريخ الذي وصل فيه الشيخ العلامة بن سعدي من تفسير سورة النمل فوجدت أن الشيخ قام بالتفسير من الفاتحة حتى وصل سورة النمل و لم يتجاوز عمره 36 سنة . فذهلت و تعجبت !! فلله دره من عالم قارع الفطاحلة في هذا العمر المبكر , و ياله من عمر مد بالطاعة , و ياله من عمل يحتار به المرء هل حقاً أن هذا العمل الجليل قام به قبل أن يبلغ أشده من الأربعين . و ندمت جداً و تأوهت ...فيا آسفي على عمري و على أعمار أبناء أمتي التي تصل إلى الأربعين ولم نجد فيها مايذكر فيستحسن , و لا يخزن في الموازين فيكون سبباً للنجاة , أو يكتب في الدواوين و يكون ذكرى للنفس و أثراً يرفع المرء من بعد أن يدفن , و يكون سبباً للخلاص يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم . أخوتي فالنتفكر بأعمارنا ....فلعلنا نلحق بالركب . و لعل العمر فيه بقية لأعمال صالحة تكون سبباً لمسح الخطيئة . و التزود و الرفعة بالدرجة العالية . ملاحظة : أرجو ممن يقرأ أو يتابع هذا التفسير أن لا ينسى العلامة بن سعدي أن يخصه بدعوات فأسأل الله أن يجزيه الخير و أن يرفع درجته و أن ينزله الفردوس الأعلى |
|
|
|
|
#24 (permalink) |
|
كاتب قدير
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581
|
الحلقة ( 8 ) ذكر المؤلف رحمه الله تفسير أيات سورة القصص و قصة موسى منذ أن ألقته أمه في اليم و كيف عاش مع فرعون في قصر الملك ثم أن هرب بعد أن استنصره الذي من شيعته على الذي من عدوه فقتله ثم خرج من مصر إلى مدين وعودته مرة أخرى إلى فرعون بالآيات و كيف أن فرعون لحقة وغرق في اليم ..حتى نهاية تفسير قصة موسى . فلما انتهى أورد المؤلف مجموعة من الفوائد الجليلة أضعها أمام المستفيد فلعل الله أن يفتح بها على قلوبنا . فصل في ذكر بعض الفوائد والعبر في هذه القصة العجيبة فمنها : أن آيات الله وعبره ، وأيامه في الأمم السابقة ، إنما يستفيد بها ويستنير ، المؤمنون ، فعلى حسب إيمان العبد ، تكون عبرته . وإن الله تعالى إنما يسوق القصص لأجلهم ، وأما غيرهم ، فلا يعبأ الله بهم ، وليس لهم منها نور وهدى . فمنها : أن الله تعالى ، إذا أراد أمرا ، هيأ أسبابه ، وأتى بها شيئا فشيئا بالتدريج ، لا دفعة واحدة . فمنها : أن الأمة المستضعفة ، ولو بلغت في الضعف ما بلغت ، لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسل ، عن طلب حقها ، ولا الإياس من ارتقائها إلى أعلى الأمور ، خصوصا إذا كانوا مظلومين ، كما استنقذ الله أمة بني إسرائيل ، الأمة الضعيفة ، من أسر فرعون وملإه ، ومكنهم في الأرض ، وملكهم بلادهم . فمنها : أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة ، لا تأخذ حقها ، ولا تتكلم به ، لا يقوم لها أمر دينها ولا دنياها ، ولا يكون لها إمامة فيه . ومنها : لطف الله بأم موسى ، وتهوينه عليها المصيبة بالبشارة ، بأن الله سيرد إليها ابنها ، ويجعله من المرسلين . فمنها :أن الله يقدر على عبده بعض المشاق ، لينيله سرورا أعظم من ذلك ، أو يدفع عنه شرا أكثر منه . كما قدر على أم موسى ، ذلك الحزن الشديد ، والهم البليغ ، الذي هو وسيلة إلى أن يصل إليها ابنها ، على وجه تطمئن به نفسها ، وتقر به عينها ، وتزداد به غبطة وسرورا . فمنها : أن الخوف الطبيعي من الخلق ، لا ينافي الإيمان ولا يزيله ، كما جرى لأم موسى ، ولموسى من تلك المخاوف . فمنها : أن الإيمان يزيد وينقص . وأن من أعظم ما يزيد به الإيمان ، ويتم به اليقين ، الصبر عند المزعجات ، والتثبيت من الله ، عند المقلقات ، كما قال تعالى : " لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين " أي : ليزداد إيمانها بذلك ، ويطمئن قلبها . ومنها أن من أعظم نعم الله على عبده وأعظم معونة للعبد على أموره ، تثبيت الله إياه ، وربط جأشه وقلبه عند المخاوف ، وعند الأمور المذهلة ، فإنه بذلك ، يتمكن من القول الصواب ، والفعل الصواب . بخلاف من استمر قلقه وروعه ، وانزعاجه ، فإنه يضيع فكره ، ويذهل عقله ، فلا ينتفع بنفسه في تلك الحال . فمنها : أن العبد ـ ولو عرف أن القضاء والقدر ووعد الله نافذ لا بد منه فإنه لا يهمل فعل الأسباب ، التي أمر بها ، ولا يكون ذلك منافيا لإيمانه بخبر الله . فإن الله قد وعد أم موسى أن يرده عليها ، ومع ذلك ، اجتهدت في رده ، وأرسلت أخته لتقصه وتطلبه . فمنها : جواز خروج المرأة في حوائجها ، وتكليمها للرجال ، من غير محذور ، كما جرى لأخت موسى ، وابنتي صاحب مدين . ومنها : جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاع ، والدلالة على من يفعل ذلك . ومنها : أن الله من رحمته بعبده الضعيف ، الذي يريد إكرامه ، أن يريه من آياته ، ويشهده من بيناته ، ما يزيد به إيمانه ، كما رد الله موسى إلى أمه ، لتعلم أن وعد الله حق . فمنها : أن قتل الكافر ، الذي له عهد بعقد أو عرف ، لا يجوز . فإن موسى عليه السلام عد قتله القبطي الكافر ، ذنبا ، واستغفر الله منه . فمنها : أن الذي يقتل النفوس بغير حق ، يعد من الجبارين ، الذين يفسدون في الأرض . ومنها : أن من قتل النفوس بغير حق ، وزعم أنه يريد الإصلاح في الأرض ، وتهييب أهل المعاصي ، فإنه كاذب في ذلك ، وهو مفسد كما حكى الله قول القبطي : " إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين " على وجه التقرير له ، لا الإنكار . فمنها : أن إخبار الرجل غيره بما قيل فيه ، على وجه التحذير له من شر يقع فيه ، لا يكون ذلك نميمة ـ بل قد يكون واجبا ـ كما أخبر ذلك الرجل موسى ، ناصحا له ومحذرا . فمنها : أنه إذا خاف القتل والتلف في الإقامة ، فإنه لا يلقي بيده إلى التهلكة ، ولا يستسلم لذلك ، بل يذهب عنه ، كما فعل موسى . فمنها : أنه عند تزاحم المفسدتين ، إذا كان لا بد من ارتكاب إحداهما فإنه يرتكب الأخف منهما والأسلم . كما أن موسى ، لما دار الأمر بين بقائه في مصر ، ولكنه يقتل ، أو يذهب إلى بعض البلدان البعيدة ، التي لا يعرف الطريق إليها ، وليس معه دليل يدله غير ربه ، ولكن هذه الحالة أرجى للسلامة من الأولى ، فتبعها موسى . ومنها : أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى التكلم فيه ، إذا لم يترجح عنده أحد القولين ، فإنه يستهدي ربه ، ويسأله أن يهديه الصواب من القولين ، بعد أن يقصد بقلبه الحق ، ويبحث عنه ، فإن الله لا يخيب من هذه حاله . كما خرج موسى تلقاء مدين فقال : " عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " فمنها : أن الرحمة بالخلق ، والإحسان على من يعرف ومن لا يعرف ، من أخلاق الأنبياء ، وأن من الإحسان سقي الماشية الماء ، وإعانة العاجز . فمنها : استحباب الدعاء بتبيين الحال وشرحها ، ولو كان الله عالما لها؛ لأنه تعالى ، يحب تضرع عبده وإظهار ذله ومسكنته ، كما قال موسى : " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " فمنها :أن الحياء ـ خصوصا من الكرام ـ من الأخلاق الممدوحة . فمنها : أن المكافأة على الإحسان ، لم يزل دأب الأمم السابقين . فمنها : أن العبد إذا عمل العمل لله تعالى ، ثم حصل له مكافأة عليه ، من غير قصد بالقصد الأول ، فإنه لا يلام على ذلك ، كما قبل موسى مجازاة صاحب مدين ، عن معروفه الذي لم يبتغ له ، ولم يستشرف بقلبه على عوض . فمنها : مشروعية الإجارة ، وأنها تجوز على رعاية الغنم ونحوها ، مما لا يقدر به العمل ، وإنما مرده ، العرف . فمنها : أن خطبة الرجل لابنته الذي يتخيره ، لا يلام عليه . فمنها : أن خير أجير وعامل يعمل للإنسان ، أن يكون قويا أمينا . فمنها : أن من مكارم الأخلاق ، أن يحسن خلقه لأجيره وخادمه ، ولا يشق عليه بالعمل لقوله : " وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين " فمنها :جواز عقد الإجارة وغيرها من العقود ، من دون إشهاد لقوله : " والله على ما نقول وكيل " فمنها : ما أجرى الله على يد موسى من الآيات البينات ، والمعجزات الظاهرة ، من الحية ، وانقلاب يده بيضاء من غير سوء ، ومن عصمة الله لموسى وهارون ، من فرعون ، ومن الغرق . فمنها : أن من أعظم العقوبات أن يكون الإنسان إماما في الشر ، وذلك بحسب معارضته لآيات الله وبيناته . كما أن أعظم نعمة أنعم الله بها على عبده ، أن يجعله إماما في الخير هاديا مهديا . فمنها : ما فيها من الدلالة على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث أخبر بذلك تفصيلا ، وتأصيلا موافقا ، قصه قصا ، صدق به المرسلين؛ وأيد به الحق المبين ، من غير حضور شيء من تلك الوقائع؛ ولا مشاهدة لموضع واحد من تلك المواضع؛ ولا تلاوة درس فيها شيئا من هذه الأمور؛ ولا مجالسة أحد من أهل العلم؛ إن هو إلا رسالة الرحمن الرحيم؛ ووحي أنزله عليه الكريم المنان؛ لينذر به قوما جاهلين؛ وعن النذر والرسل غافلين . فصلوات الله وسلامه؛ على من مجرد خبره ينبىء أنه رسول الله؛ ومجرد أمره ونهيه ينبه العقول النيرة؛ أنه من عند الله . كيف وقد تطابق على صحة ما جاء به وصدقه الأولين والآخرين . والشرع الذي جاء به من رب العاليمن ، وما جبل عليه من الأخلاق الفاضلة؛ التي لا تناسب؛ ولا تصلح إلا لأعلى الخلق درجة؛ والنصر المبين لدينه وأمته . حتى بلغ دينه؛ مبلغ الليل والنهار؛ وفتحت أمته معظم بلدان الأمصار؛ بالسيف والسنان ، وقلوبهم بالعلم والإيمان . ولم تزل الأمم المعاندة؛ والملوك الكفرة؛ ترميه بقوس واحدة؛ وتكيد له المكايد؛ وتمكر لإطفائه؛ وإخفائه؛ وإخماده من الأرض وهو قد بهرها وعلاها ، لا يزداد إلا نموا ، ولا آياته وبراهينه إلا ظهورا . وكل وقت من الأوقات ، يظهر من آياته ، ما هو عبرة للعالمين ، وهداية للعالمين ، ونور وبصيرة للمتوسمين . والحمد لله وحده . |
|
|
|
|
#25 (permalink) |
|
كاتب قدير
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581
|
الحلقة ( 9 ) سورة العنكبوت " الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " يخبر تعالى ، عن تمام حكمته ، وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال : « إنه مؤمن » وادعى لنفسه الإيمان ، أن يبقوا في حالة ، يسلمون فيها من الفتن والمحن ، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه . فإنه لو كان الأمر كذلك ، لم يتميز الصادق من الكاذب ، والمحق من المبطل . ولكن سنته تعالى وعادته في الأولين ، في هذه الأمة ، أن يبتليهم بالسراء والضراء ، والعسر واليسر ، والمنشط والمكره ، والغنى والفقر ، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان ، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ، ونحو ذلك من الفتن ، التي ترجع كلها ، إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة ، والشهوات المعارضة للإرادة . فمن كان عند ورود الشبهات ، يثبت إيمانه ولا يتزلزل ، ويدفعها بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب ، أو الصارفة عن ما أمر الله به ورسوله ، يعمل بمقتضى الإيمان ، ويجاهد شهوته ، دل على صدق إيمانه وصحته . ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه ، شكا وريبا ، وعند اعتراض الشهوات ، تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات ، دل ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه . والناس في هذا المقام : درجات ، لا يحصيها إلا الله ، فمستقل ومستكثر . فنسأل الله تعالى ، أن يثبتنا بالقول الثابت ، في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وأن يثبت قلوبنا على دينه ، فالابتلاء والامتحان للنفوس ، بمنزلة الكير ، يخرج خبثها ، وطيبها . " أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون " أي : أحسب الذين همهم ، فعل السيئات ، وارتكاب الجنايات ، أن أعمالهم ستهمل ، وأن الله سيغفل عنهم ، أو يفوتونه ، فلذلك أقدموا عليها ، وسهل عليهم عملها ؟ " ساء ما يحكمون " أي : ساء حكمهم ، فإنه حكم جائر ، لتضمنه إنكار قدرة الله وحكمته ، وأن لديهم قدرة ، يمتنعون بها من عقاب الله ، وهو أضعف شيء وأعجزه . " من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين " يعني : يا أيها المحب لربه المشتاق لقربه ولقائه ، المسارع في مرتضاته ، أبشر بقرب لقاء الحبيب ، فإنه آت ، وكل ما هو آت قريب . فتزود للقائه ، وسر نحوه ، مستصحبا الرجاء ، مؤملا الوصول إليه . ولكن ، ما كل من يدعي يعطى بدعواه ، ولا كل من تمنى ، يعطى ما تمناه ، فإن الله سميع للأصوات ، عليم بالنيات . فمن كان صادقا في ذلك ، أناله ما يرجو ، ومن كان كاذبا ، لم تنفعه دعواه . وهو العليم بمن يصلح لحبه ، ومن لا يصلح . " ومن جاهد " نفسه وشيطانه ، وعدوه الكافر ، " فإنما يجاهد لنفسه " لأن نفعه راجع إليه ، و " إن الله لغني عن العالمين " لم يأمرهم به لينتفع به ، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه عليهم . وقد علم أن الأوامر والنواهي ، يحتاج المكلف فيها إلى جهاد ، لأن نفسه ، تتثاقل بطبعها عن الخير ، وشيطانه ينهاه عنه ، وعدوه الكافر ، يمنعه من إقامة دينه ، كما ينبغي . وكل هذه معارضات ، تحتاج إلى مجاهدات وسعي شديد . " والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون " يعني أن الذي من الله عليهم بالإيمان والعمل الصالح ، سيكفر الله عنهم سيئاتهم ، لأن الحسنات يذهبن السيئات . " ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون " وهي أعمال الخير ، من واجبات ، ومستحبات ، فهي أحسن ما يعمل العبد ، لأنه يعمل المباحات أيضا ، وغيرها . |
|
|
|
|
#26 (permalink) |
|
كاتب قدير
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581
|
الحلقة ( 10 ) سورة الروم " الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون " كانت الفرس والروم ، في ذلك الوقت ، من أقوى دول الأرض . وكان يكون بينهما من الحروب والقتال ، ما يكون بين الدول المتوازنة . وكانت الفرس مشركين ، يعبدون النار . وكانت الروم أهل كتاب ، ينتسبون إلى التوراة والإنجيل ، وهم أقرب إلى المسلمين من الفرس ، فكان المسلمون يحبون غلبتهم ، وظهورهم على الفرس . وكان المشركون ، لاشتراكهم والفرس في الشرك ، يحبون ظهورالفرس على الروم . فظهر الفرس على الروم ، وغلبوهم غلبا لم يحط بملكهم ، بل أدنى أرضهم . ففرح بذلك مشركو مكة ، وحزن المسلمون ، فأخبرهم الله ووعدهم أن الروم ستغلب الفرس . " في بضع سنين " تسع ، أو ثمان ، ونحو ذلك ، مما لا يزيد في العشر ، ولا ينقص عن الثلاث ، وأن غلبة الفرس للروم ، ثم غلبة الروم للفرس ، كل ذلك بمشيئته وقدره ولهذا قال : " لله الأمر من قبل ومن بعد " فليس الغلبة والنصر لمجرد وجود الأسباب . وإنما هي لا بد أن يقترن بها القضاء والقدر . " ويومئذ " أي : يوم يغلب الروم الفرس ويقهرونهم " يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء " أي : يفرحون بانتصارهم على الفرس ، وإن كان الجميع كفارا ، ولكن بعض الشر أهون من بعض ، ويحزن يومئذ المشركون . " وهو العزيز " الذي له العزة ، التي قهر بها الخلائق أجمعين " تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء " " الرحيم " بعباده المؤمنين ، حيث قيض لهم من الأسباب التي تسعدهم وتنصرهم ، ما لا يدخل في الحساب . " وعد الله لا يخلف الله وعده " فتيقنوا ذلك ، واجزموا به ، واعلموا أنه لا بد من وقوعه . فلما نزلت هذه الآيات ، التي فيها هذا الوعد ، صدق بها المسلمون ، وكفر بها المشركون ، حتى تراهن بعض المسلمين وبعض المشركين ، على مدة سنين عينوها . فلما جاء الأجل ، الذي ضربه الله ، انتصر الروم على الفرس ، وأجلوهم عن البلاد التي أخذوها منهم ، وتحقق وعد الله . وهذا من الأمور الغيبية ، التي أخبر بها الله قبل وقوعها ، ووجدت في زمان من أخبرهم الله بها ، من المسلمين والمشركين . " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " أن ما وعد الله به حق ، فلذلك يوجد فريق منهم يكذبون بوعده ، ويكذبون آياته . وهؤلاء الذي لا يعلمون ، أي : لا يعلمون بواطن الأشياء وعواقبها . وإنما " يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا " فينظرون إلى الأسباب ، ويجزمون بوقوع الأمر ، الذي في رأيهم ، انعقدت أسباب وجوده ، ويتيقنون عدم الأمر الذي لم يشاهدوا له من الأسباب المقتضية لوجوده ، شيئا فهم واقفون مع الأسباب ، غير ناظرين إلى مسببها ، المتصرف فيها . " وهم عن الآخرة هم غافلون " قد توجهت قلوبهم ، وأهواؤهم ، وإراداتهم ، إلى الدنيا وشهواتها ، وحطامها ، فعملت لها ، وسعت ، وأقبلت بها وأدبرت ، وغفلت عن الآخرة . فلا الجنة تشتاق إليها ، ولا النار تخافها ونخشاها ، ولا المقام بين يدي الله ولقائه ، ويروعها ويزعجها ، وهذا علامة الشقاء ، وعنوان الغفلة عن الآخرة . ومن العجب أن هذا القسم من الناس ، قد بلغت بكثير منهم ، الفطنة والذكاء في ظاهر الدنيا ، إلى أمر يحير العقول ، ويدهش الألباب . وأظهروا من العجائب الذرية ، والكهربائية ، والمراكب البرية والبحرية ، والهوائية ، ما فاقوا به وبرزوا ، وأعجبوا بعقولهم ، ورأوا غيرهم عاجزا عما أقدرهم الله عليه . فنظروا إليهم بعين الاحتقار والازدراء ، وهم مع ذلك ، أبلد الناس في أمر دينهم ، وأشدهم غفلة عن آخرتهم ، وأقلهم معرفة بالعواقب . قد رآهم أهل البصائر النافذة ، في جهلهم يتخبطون ، وفي ضلالهم يعمهون ، وفي باطلهم يترددون . نسوا الله ، فأساهم أنفسهم ، أولئك هم الفاسقون . ولو نظروا إلى ما أعطاهم الله وأقدرهم عليه ، من الأفكار الدقيقة في الدنيا وظاهرها ، وما حرموا من العقل العالي ، لعرفوا أن الأمر لله ، والحكم له في عباده ، وإن هو إلا توفيقه أو خذلانه ، ولخافوا ربهم وسألوه أن يتم لهم ما وهبهم ، من نور العقول والإيمان ، حتى يصلوا إليه ، ويحلوا بساحته . وهذه الأمور لو قارنها الإيمان ، وبنيت عليه ، لأثمرت الرقي العالي ، والحياة الطيبة . ولكنها لما بنى كثير منها على الإلحاد ، لم تثمر إلا هبوط الأخلاق ، وأسباب الفناء والتدبير . |
|
|
|
|
#28 (permalink) |
|
كاتب قدير
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581
|
الحلقة ( 11 ) سورة لقمان " الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون " يشير تعالى إشارة دالة على التعظيم إلى " آيات الكتاب الحكيم " أي : إن آياته محكمة ، صدرت من حكيم خبير . ومن إحكامها ، أنها جاءت بأجل الألفاظ وأفصحها ، وأبينها ، الدالة على أجل المعاني وأحسنها . ومن إحكامها ، أنها محفوظة من التغيير والتبديل ، والزيادة والنقص ، والتحريف . ومن إحكامها : أن جميع ما فيها من الأخبار السابقة واللاحقة ، والأمور الغيبية كلها ، مطابقة للواقع ، مطابق لها الواقع ، لم يخالفها كتاب من الكتب الإلهية ، ولم يخبر بخلافها نبي من الأنبياء ، ولم يأت ، ولن يأتي علم محسوس ولا معقول صحيح ، يناقض ما دلت عليه . ومن إحكامها : أنها ما أمرت بشيء ، إلا هو خالص المصلحة ، أو راجحها . ولا نهت عن شيء ، إلا وهو خالص المفسدة ، أو راجحها . وكثيرا ما يجمع بين الأمر بالشيء ، مع ذكر حكمته وفائدته ، والنهي عن الشيء ، مع ذكر مضرته . ومن إحكامها : أنها جمعت بين الترغيب والترهيب ، والوعظ البليغ ، الذي تعتدل به النفوس الخيرة ، وتحتكم ، فتعمل بالحزم . ومن إحكامها : أنك تجد آياتها المتكررة ، كالقصص ، والأحكام ونحوها ، قد اتفقت كلها وتواطأت ، فليس فيها تناقض ، ولا اختلاف . فكلما ازداد بها البصير تدبرا ، وأعمل فيها العقل تفكرا ، انبهر عقله ، وذهل لبه من التوافق والتواطؤ ، وجزم جزما لا يمترى فيه ، أنه تنزيل من حكيم حميد . ولكن ـ مع أنه حكيم ـ يدعو إلى كل خلق كريم ، وينهى عن كل خلق لئيم . أكثر الناس محرومون من الاهتداء به ، معرضون عن الإيمان والعمل به ، إلا من وفقه الله تعالى وعصمه ، وهم المحسنون في عبادة ربهم والمحسنون إلى الخلق . فإنه " هدى " لهم ، يهديهم إلى الصراط المستقيم ، ويحذرهم من طرق الجحيم . " ورحمة " لهم ، تحصل لهم به ، السعادة في الدنيا والآخرة ، والخير الكثير ، والثواب الجزيل ، والفرح ، ويندفع عنهم الضلال والشقاء . ثم وصف المحسنين ، بالعلم التام ، وهو اليقين الموجب للعمل والخوف من عقاب الله ، فيتركون معاصيه . ووصفهم بالعمل وخص من العمل ، عملين فاضلين . " يقيمون الصلاة " المشتملة على الإخلاص ، ومناجاة الله تعالى ، والتعبد العام للقلب واللسان ، والجوارح المعينة ، على سائر الأعمال . " ويؤتون الزكاة " التي تزكي صاحبها : من الصفات الرذيلة ، وتنفع أخاه المسلم ، وتسد حاجته ، ويبين بها أن العبد يؤثر محبة الله على محبته للمال ، فيخرج محبوبه من المال ، لما هو أحب إليه ، وهو طلب مرضاة الله . " أولئك " المحسنون ، الجامعون بين العلم التام والعمل " على هدى " أي : عظيم ، كما يفيده التنكير . وذلك الهدى حاصل لهم ، وواصل إليهم " من ربهم " الذي لم يزل يربيهم بالنعم ، ويدفع عنهم النقم . وهذا الهدى الذي أوصله إليهم ، من تربيته الخاصة بأوليائه ، وهو أفضل أنواع التربية . " وأولئك هم المفلحون " الذين أدركوا رضا ربهم ، وثوابه الدنيوي والأخروي ، وسلموا من سخطه وعقابه . وذلك لسلوكهم طريق الفلاح ، الذي لا طريق له غيرها . ولما ذكر تعالى المهتدين بالقرآن ، المقبلين عليه ، ذكر من أعرض عنه ، ولم يرفع به رأسا ، وأنه عوقب على ذلك ، بأن تعوض عنه كل باطل من القول ، فترك أعلى الأقوال ، وأحسن الحديث ، واستبدل به أسفل قول وأقبحه ، فلذلك قال : " ومن الناس " إلى " وهو العزيز الحكيم " . أي " ومن الناس من " هو محروم مخذول " يشتري " أي : يختار ويرغب رغبة من يبذل الثمن في الشيء . " لهو الحديث " أي : الأحاديث الملهية للقلوب ، الصادة لها عن أجل مطلوب . فدخل في هذا ، كل كلام محرم ، وكل لغو ، وباطل ، وهذيان من الأقوال المرغبة في الكفر ، والفسوق ، والعصيان ، ومن أقوال الرادين على الحق ، المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق ، ومن غيبة ، ونميمة ، وكذب ، وشتم ، وسب ، ومن غناء ومزامير شيطان ، ومن الماجريات الملهية ، التي لا نفع فيها في دين ولا دنيا . فهذا الصنف من الناس ، يشتري لهو الحديث ، عن هدي الحديث " ليضل " الناس " عن سبيل الله بغير علم " أي : بعدما ضل هو في فعله ، أضل غيره ، لأن الإضلال ، ناشىء عن الضلال . وإضلاله في هذا الحديث ، صده عن الحديث النافع ، والعمل النافع ، والحق المبين ، والصراط المستقيم . ولا يتم له هذا ، حتى يقدح في الهدى والحق ، الذي جاءت به آيات الله . " ويتخذها هزوا " يسخر بها ، وبمن جاء بها . فإذا جمع بين مدح الباطل والترغيب فيه ، والقدح في الحق ، والاستهزاء به وبأهله ، أضل من لا علم عنده وخدعه بما يوحيه إليه ، من القول الذي لا يميزه ذلك الضال ، ولا يعرف حقيقته . " أولئك لهم عذاب مهين " بما ضلوا ، واستهزؤوا بآيات الله ، وكذبوا الحق الواضح . ولهذا قال : " وإذا تتلى عليه آياتنا " ليؤمن بها وينقاد لها . " ولى مستكبرا " أي : أدبر إدبار مستكبر عنها ، راد لها ، ولم تدخل قلبه ولا أثرت فيه ، بل أدبر عنها " كأن لم يسمعها " بل " كأن في أذنيه وقرا " أي : صمما لا تصل إليه الأصوات ، فهذا لا حيلة في هدايته . " فبشره " بشارة تؤثر في قلبه الحزن والغم ، وفي بشرته السوء ، والظلمة ، والغبرة . " بعذاب أليم " مؤلم لقلبه ، ولبدنه ، لا يقادر قدره ، ولا يدري بعظيم أمره . فهذه بشارة أهل الشر ، فلا نعمت البشارة . وأما بشارة أهل الخير فقال : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات " جمعوا بين عبادة الباطن بالإيمان ، والظاهر بالإسلام ، والعمل الصالح . " لهم جنات النعيم " بشارة لهم بما قدموه ، وقرى لهم بما أسلفوه . " خالدين فيها " أي ، في جنات النعيم ، نعيم الروح ، والبدن . " وعد الله حقا " لا يمكن أن يخلف ، ولا يغير ، ولا يتبدل . " وهو العزيز الحكيم " كامل العزة ، كامل الحكمة . من عزته وحكمته ، أن وفق من وفق ، وخذل من خذل ، بحسب ما اقتضاه علمه فيهم ، وحكمته . |
|
|
|
|
#30 (permalink) |
|
كاتب قدير
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581
|
الحلقة ( 12 ) ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام " يكتب بها " والبحر يمده من بعده سبعة أبحر " مدادا يستمد بها ، لتكسرت تلك الأقلام ولفني ذلك المداد ، و " ما نفدت كلمات الله " . وهذا ليس مبالغة لا حقيقة له . بل لما علم تبارك وتعالى ، أن العقول تتقاصر عن الإحاطة ببعض صفاته ، وعلم تعالى ، أن معرفته لعباده ، أفضل نعمة ، أنعم بها عليهم ، وأجل منقبة حصلوها ، وهي لا تمكن على وجهها ، ولكن ما لا يدرك كله ، لا يترك كله ، فنبههم تعالى على بعضها تنبيها تستنير به قلوبهم ، وتنشرح له صدورهم ، ويستدلون بما وصلوا إليه إلى ما لم يصلوا إليه ، ويقولون كما قال أفضلهم وأعلمهم بربه : « لا نحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » . وإلا ، فالأمر أجل من ذلك ، وأعظم . وهذا التمثيل ، من باب تقريب المعنى ، الذي لا يطاق الوصول به إلى الأفهام والأذهان . وإلا ، فالأشجار ، وإن تضاعفت على ما ذكر ، أضعافا كثيرة ، والبحور لو امتدت بأضعاف مضاعفة ، فإنه يتصور نفادها وانقضاؤها ، لكونها مخلوقة . وأما كلام الله تعالى ، فلا يتصور نفاده ، بل دلنا الدليل الشرعي والعقلي ، على أنه لا نفاد له ولا منتهى ، فكل شيء ينتهى إلا الباري وصفاته " وأن إلى ربك المنتهى " . وإذا تصور العقل حقيقة أوليته تعالى وآخريته ، وأن كل ما فرضه الذهن من الأزمان السابقة ، مهما تسلسل الفرض والتقدير ، فهو تعالى قبل ذلك إلى غير نهاية . وأنه مهما فرض الذهن والعقل ، من الأزمان المتأخرة ، وتسلسل الفرض والتقدير ، وساعد على ذلك من ساعد ، بقلبه ولسانه ، فالله تعالى ، بعد ذلك إلى غير غاية ولا نهاية . والله من جميع الأوقات ، يحكم ، ويتكلم ، ويقول ، ويفعل كيف أراد ، وإذا أراد ، لا مانع له من شيء ، من أقواله وأفعاله . فإذا تصور العقل ذلك ، عرف أن المثل الذي ضربه الله لكلامه ، ليدرك العباد شيئا منه ، وإلا ، فالأمر أعظم وأجل . ثم ذكر جلالة عزته وكمال حكمته فقال : " أن الله عزيز حكيم " أي : له العزة جميعا ، الذي ما في العالم العلوي والسفلي من القوة ، إلا هي منه ، هو الذي أعطاها للخلق ، فلا حولا ولا قوة إلا به . وبعزته قهر الخلق كلهم ، وتصرف فيهم ، ودبرهم . وبحكمته خلق الخلق ، وابتدأه بالحكمة ، وجعل غايته والمقصود منه الحكمة . وكذلك الأمر والنهي ، وجد بالحكمة ، وكانت غايته المقصودة ، الحكمة فهو الحكيم في خلقه وأمره |
|
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
الساعة الآن 06:59 AM.
تجارة الكترونية
-
منتديات الامارات
-
العاب
-
العاب بنات
-
صور اطفال
-
صوت الاسلام
-
الفراشة - عالم حواء
-
الحياة الزوجية
-
منتديات ماجده
| ||||