نرحب بكم في منتدى مكتوب العرب المسافرون...

هذا الموقع متخصص بالسياح العرب وهو أحد مواقع شبكة مكتوب المسافر. انضم الآن و احصل على فرصة متابعة أخبار و معلومات و صور و مقاطع فيديو من كل دول العالم.


 
بحث متقدم
   
 




العودة   مـنـتـدى الـعـرب الـمـسافـرون > دول أوروبـــــــــــــــا > بوابة السفر إلى أسبانيا Spain > بوابة السفر إلى أسبانيا Spain

بوابة السفر إلى أسبانيا Spain تعنى هذه البوابة بتزويد المستخدمين بجميع المعلومات المتنوعة الخاصة بالسفر الى الأندلس وغرناطة وأشببيلية وماربيا.

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-02-2007, 10:20 PM   #1 (permalink)
وسام التميز الاسباني
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
الدولة: -UAE-
رقم العضوية :53813
المشاركات: 850




Thumbs up مقتطفات من كتاب" الاندلسيون المواركة"


السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

وانا ابحث في الانترنت وجدت هذا المقتطفات واتمنى ان تستفيدون منها كما انا استفدت فكل يوم نكتشف الجديد حول حضاره دامت 8 قرون....
وهذا موضوع جديد لى بعد انقطاع طال

مقتطفات من عروض ومراجعات لكتاب «الأندلسيون المواركة»
الاثنين ٢٦ حزيران (يونيو) ٢٠٠٦

مجلة الظفرة: أبو ظبي، الأمارات العربية المتحدة:

... والكتاب محاولة لتسليط الضوء على هؤلاء الذين كاد التاريخ أن ينساهم، فينساهم الناس، وهم الأندلسيون الذي بنوا الحضارة التي لا تزال شواهدها حتى الآن. وفي مدن أندلسية، هناك مجموعات من الأندلس بدأت تتحدث بصوت عال عن أصولها العربية، ونسبتها إلى بعض العائلات الأموية العريقة، "كالناصريين" في مدينة (خايين) - جيّان- الذين ينتسبون الى الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر.

والكتاب بحق يعتبر هاماً من نواح كثيرة، أهمها أنه يلقي الضوء على فترة تاريخية غيبتها أحداث كبيرة زامنتها، وهي الفترة التي اشتد فيها الضغط على المسلمين والعرب في الأندلس الصغري (أندلس اليوم) والممتدة ما بين مطلع عام 1492 وهو عام سقوط غرناطة وانتهاء الوجود السياسي العربي في شبه جزيرة آيبريا، وعام 1834 وهو عام سقوط محاكم التفتيش، التي بقيت رغم مرور قرون عليها وصمة عار في جبين الفاتحين القشتاليين، وشاهداً من شواهد الاضطهاد الديني، والتمييز العنصري الذي وقع على المسلمين والعرب في تلك البلاد، رغم انهم لم يمارسوه ولو لمرة واحدة، حتى ضد أعدائهم الذين حاربوهم وغدروا بهم أكثر من مرة.

يقول المؤلف: "وفي الأندلس اشترك المسلمون والنصارى واليهود في صنع دولة كانت أقوى دول أوروبا..."

هذه حقيقة لم يغفلها التاريخ، فالعرب المسلمون بتسامحهم، وبأسلوبهم الحضاري الفريد بالتعامل مع شعوب البلاد التي يفتحونها، استطاعوا كسب مواقف هؤلاء، فأشركوهم معهم في إدارة البلاد، وفي بناء الدولة وفي إنشاء حضارة كانت بمثابة النور الذي استطاع تبديد ظلام أوروبا، فحولها عن طريق الجهل والجهالة، إلى طريق الحضارة.

أما اليهود، وهم أشد أعداء الإسلام والمسلمين منذ فجرالاسلام، فقد تلقوا رعاية كبيرة نتيجة للتسامح الذي لقوه لا في الأندلس وحدها، ولكن في كل بلاد المسلمين، فأصبح منهم الوزراء والأطباء والعلماء، فتمتعوا مع المسلمين العرب والنصارى، وأصبجت الأندلس جنتهم إلى أن جاء الغزو القشتالي، فوقف كثيرون منهم، بدافع الحقد الديني الى جانب الغزاة، حتى سقطت الأندلس بشكل كامل، وقامت محاكم التفتيش، فكانوا أول ضحايا أعمالهم الشريرة، ولكنهم مع كل هذا لم يدركوا بعد الفرق بين تعامل العرب معهم، وتعامل غير العرب، حتى في "أقرب التاريخ".

ويتحدث الكاتب عن دور المواركة في الأندلس في الحياة الاقتصادية، ويؤكد أنهم، وإن كانوا في الدرجة الثالثة من حيث المواطنية، إلا انهم كانوا يديرون أهم وسائل الانتاج، وكانوا عوناً للامبراطورية الاسبانية التي كانت من أكبر القوى العسكرية في المنطقة، ولكنها لم تدرك سر قوتها، إلا بعد أن طردت المواركة، فانهار الاقتصاد، وانهارت معه القوة العسكرية عندما أرادت حشد الطاقات للتصدي للهولنديين، فوجدت ان أقتصادها قد انهار.

ورغم ان الكتاب يشير الى ثورات قام بها المواركة ضد الاضطهاد الذي عانوا منه في المحاولات المتتالية لتنصيرهم، إلا ان وضعه في قالب اليوم، وإسقاط أحداثه على الحاضر، يشير إلى أمور كثيرة هامة من أبرزها:

ان ما يمارس ضد الشعب العربي الفلسطيني في الأرض المحتلة، يشبه إلى حد كبير، التجربة التي تعرض لها العرب والمسلمون في إسبانيا، وسقطوا فيها نتيجة لمعطيات كثيرة خارجة عن إرادتهم.
ان الكيان الصهيوني قد وعى بدقة الدرس الذي تلقاه من الأمبراطورية الاسبانية، فراح يعد اقتصاده بأسلوب يبعده عن الاعتماد الكلي على العرب.
القوة العسكرية التي يتمتع بها الكيان الصهيوني يمكن ان تهزم في حال وجود قوة مماثلة لها، ومعدة بشكل جيد للتصدي...لأن مسألة التفوق العسكري، تدخل فيها حسابات كثيرة، من أهمها القدرة على الاستمرار.
ان استمرار الثورة الفلسطينية ضرورة لاستمرار وجود الشعب الفلسطيني في فلسطين لأن توقفها، يعني القبول النهائي بالخروج من فلسطين تماماً كما خرج العرب مند خمسة قرون من إسبانيا.
هذه الأمور هي دروس يلقيها المؤلف من خلال ترتيبه المنطقي للأحداث، ومن خلال حديثه الموثق عن الثورات المعزولة التي قام بها المواركة، ولم يجدوا ساعداً يقف معهم، فكانت النتيجة انهم اجتثوا تماماً من وطن لا يعرفون غيره.


صحيفة الراية (رسالة القاهرة) بقلم: مصطفى عبد الغنى:

صدر في القاهرة أخيراً كتاب "الأندلسيون المواركة" وهو على قدر كبير من الأهمية والخطورة معاً. وتعود هذه الأهمية إلى أنه في كل يوم تصدر في القاهرة وفي غيرها من العواصم العربية كتب كثيرة هامة دون ان يلتفت اليها أحد مع أنها تعالج قضايا أقل ما يقال عنها أنها مصيرية، خاصة مثل هذا الكتاب الذي يعود بنا إلى قرون في التاريخ يحاول بالأدلة العلمية وبالوثائق التي تنشر لأول مرة ان يتناول قطعة هامة حزينة من تاريخنا العربي الإسلامي، فقد ضاعت الأندلس العربية بعد قرابة 8 قرون سيطر فيها العرب على هذا الجزء الغربي من اوروبا وكاد يهدد اوروبا كلها ولكن لم تلبث ان دارت حركة التاريخ وشاهدت الأحداث استسلام آخر معالم السلطة السياسية الإسلامية في يوم حزين من أيام سنة 1492 من شبه جزيرة آيبريا لتدق بعدها أجراس الكنائس في سائر أوروبا احتفالاً بهذه المناسبة الجليلة.

وهذه المأساة، إن صح أن يوصف جزء غال من تاريخنا حين يباع أو يستقطع بأن يطلق عليه مأساة، نقول إن هذه المأساة تعتبر في التو واللحظة القضية التي يعيشها العرب الآن، فبينما سقطت مملكة غرناطة الأندلسية بعد 234 سنة من اجتاح المغول لبغدادإ فإن فلسطين سقطت بعد قرون طويلة.

وهنا وجه الخطوة فالكتاب لا يكتفي باسترجاع ما حدث للعرب هناك في أقصى الغرب نتيجة لغفلتهم بل ان هذا يعطي بالدراسة المقارنة ما يريده المؤلف من أن الأندلس ضاعت بالأمس واليوم توشك أندلس أخرى ان تضيع بل ان المؤلف صرح بهذا في الإهداء فقال وهو دارس جاد بأنه يهدي هذا الكتاب الى الأندلسيين المواركة الذي حملوا راية العروبة والاسلام فسقطوا ضحايا لكارلوس الخامس وفيليب الثاني ومحاكم التفتيش وتخاذل الاخوان في الدين والقومية و(إلى كل الشرفاء الذي يحاولون اليوم منع كارثة مشابهة).

كتاب جديد ... جدير بقراءته، جدير بالاهتمام به، جدير باقتنائه،


صحيفة الرأي العام: كتب محمد عبد الرحيم:

"الأندلسيون المواركة" "محاولة جادة لتسليط الضوء على تاريخ الأندلسيين بعد سقوط غرناطة، وإزالة الغموض الذي لف سيرتهم، وإنصافهم من الموقع الذي احتلوه كحاشية في مجلدات التاريخ الأندلسي الموريسكي، وسرد وقائع النضال الذي خاضه أكثر من ثلاثة ملايين أندلسي في سبيل الحفاظ على وطنهم وعروبتهم ودينهم طوال قرنين كاملين نظموا خلالهما ثورتين مشرفتين تصدوا فيهما لأعتى قوى الأرض في القرن السادس عشر".

ويضم هذا الكتاب ستة فصول وجلها مزدان بالصور النادرة والخرائط التوثيقية، وهذه الفصول تحمل عنواناً سرعان ما يشد انتباهك شداً غريباً يجعلك تقرأه بلا ملل أو كلل.

ومن الصعب والعسير الكتابة او التكلم حتى والتفكير بما آل إليه الأندلسيون دون الإحساس بنوع من الرهبة لسببين اثنين رئيسيين:

الأول: ان ضياع الأندلسيين كان شاملاً، وكأنهم لم يسكنوا ولم يعمروا شبه الجزيرة الآيبرية، حتى ولم يفتحوا أجزاء شاسعة من العالم ووصلوا إلى فرنسة، وكانوا في يوم من الأيام سادة الأرض والشعوب.

والثاني: ان ما حدث للأندلسيين يمكن ان يتكرر ثانية ليس في مكان ما من أطراف الوطن العربي، بل في وسطه، وربما نعيش اليوم فصلاً حقيقياً من هذه الفصول في قلب الوطن العربي - فلسطين.

أسئلة كثيرة، وكثيرة جداً تجول بخاطري منها:

هل إن تناحر الأندلسيين ونزعة حكامهم للاحتفاظ بملكهم هو السبب في سقوط الأندلس وتبدد شعبها؟
أم أن الأندلسيين أقاموا كياناً غريباً عما حولهم فكانوا كالجزيرة وسط بحر لم يحتمل ديناً غير النصرانية او شعباً غير الأوروبيين؟
أم أن انفصال الأندلس عن بقية الوطن العربي حمل إليها بذور الفناء؟
أم أن تلك الدولة ما كانت لتستمر قوية بعد أن ضعف الوطن العربي وتناهشته الشعوبية والمؤامرات وتكالب عليه أعداؤه من كل جانب؟
أم أن الأندلسيين اخفقوا لأنهم كانوا مستعمرين، وكان عليهم الجلاء كما كان يحصل للانكليز والفرنسيين؟
وأخيراً ... ربما كان الوجود الاسلامي في شبه جزيرة آيبرية تجربة نمت وتقوّت واستمرت وعاشت، ثم هبطت وخارت وزالت؟
جميع هذه الأسئلة وغيرها، يجيب عليها كتاب (الأندلسيون المواركة) إجابة وافية وصادقة وأمينة، إضافة إلى سرد حقيقة قصة الأندلس المليئة بأخبار الانتصارات والهزائم، وسيرة شعبها الأول وقصص مقاومته التي استمرت عشرات السنين...

كتاب جديد ... جدير بقراءته، جدير بالاهتمام به، جدير باقتنائه، فالحقيقية وإن وجدت داخل كتاب، علينا ان ننقبها ونصقلها ونخرجها من الظلمات إلى النور، لتبقى منارة وهدى.


صحيفة الفجر (أبو ظبي)، الأمارات العربية المتحدة:

صدر أخيراً بالقاهرة للزميل عادل بشتاوي كتاب "الأندلسيون المواركة" - دراسة في تاريخ الأندلسيين بعد سقوط غرناطة، ويتضمن الكتاب 6 فصول بالإضافة الى باب خاص بأهم الأحداث الأندلسية والدولية، وحكام الأندلس، وأهم حكام الدويلات والممالك الشمالية، وشخصيات ومواضع معرفة وفصل خاص بالخرائط التوضيحية.

وهذا الكتاب صفحة جديدة لوضع نضال الأندلسيين ضمن إطاريه الدولي والمحلي، وتسجيل وقفتهم في وجه محاولات التذويب التي نظمها كارلوس الخامس وفيليب الثاني ومحاكم التفتيش ولدورهم في تقويض دعائم الأمبراطورية الإسبانية ورفع أعمدة التطور الحضاري والإنساني في أوروبا.


هذا واتمنى لي ولكم التوفيق لما يحبه الله ويرضاه

اعتماد غير متواجد حالياً  
قديم 12-02-2007, 01:32 AM   #2 (permalink)
مسافر متميز
 
الصورة الرمزية أبن زيدون
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
الدولة: قرطبه ( يا فاتنة الدنيا)
رقم العضوية :110547
المشاركات: 339




افتراضي


وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته
اهلا وسهلا اختي اعتماد حياكي الله وشكرا على هذه المعلومه القيمه انا منذو فتره كنت ابحث واريد اعرف تاريخ المورسكيين بعد مقتل أبن اميه الزعيم الموريسكي الشهير ماذا حدث لهم بالضبط في القرن السادس عشر اي بعد المئه الأولى من خروج الصغير لاكن للاسف لم اجد في المراجع الاسلاميه من تحدث عنها وايضا في الاوروبيه لم اجد شيئا موثقا يستحق لاسيما وان روح التعصب ضد المسلمين في اسبانيا كانت في اوجها لاكن عنوان هذا الكتاب ومحتواه الذي تحدثتي عنه يعد من اولى المراجع الموثقه عن تاريخ المورسكيين

فياللروعه واخيرا ساشبع فضولي عنهم وعن ماحدث لهم وكله بفضلك ياختي اعتماد فانتي دائما ودوما تأتينا بكل جديد ومفيد عن تاريخ اندلسنا الحبيبه
واخيرا اختصرتي على عناء البحث بدال ماقطع مئه كيلو صارت كيلوين فجزاكي الله كل خير
شكرا جزيلا لكي وبارك الله فيج

أبن زيدون غير متواجد حالياً  
قديم 16-02-2007, 10:29 PM   #3 (permalink)
وسام التميز الاسباني
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
الدولة: -UAE-
رقم العضوية :53813
المشاركات: 850




افتراضي


الله يبارك بيك اخوي ابن زيدون ...وان شاء الله تحصل الكتاب وتشبع منه وتكتب لنا مختصر عنه ...

وانا دائما احاوول ان اعبر ولو بشئ بسيط عن حبي الكبير للاندلس رغم انى للان لم ازرها ....واتمنى الفائده للجميع

لان اغلب رواد هذي الساحه يحبون القرائه والتاريخ .... وانا بالخدمة دائما ...لاخوانا في الساحه الاسبانيه ..


اعتماد غير متواجد حالياً  
قديم 07-02-2008, 01:03 PM   #4 (permalink)
مسافر متميز
 
الصورة الرمزية أبن زيدون
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
الدولة: قرطبه ( يا فاتنة الدنيا)
رقم العضوية :110547
المشاركات: 339




افتراضي


شكرا اوخيه وعما قريب ساكتب ملخص ماقراته عن هذا الكتاب الجميل

دمتم بخير وعافيه

أبن زيدون غير متواجد حالياً  
قديم 08-02-2008, 01:34 AM   #5 (permalink)
مسافر متميز
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
رقم العضوية :127006
المشاركات: 530




افتراضي


بارك الله فيك يا أختي اعتماد

مجهود تستحقين الشكر عليه

الله يعطيك العافية

ابوسعد11 غير متواجد حالياً  
قديم 11-02-2008, 03:59 AM   #6 (permalink)
مسافر متميز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
رقم العضوية :40546
المشاركات: 311




افتراضي


شــــكراً أخت أعتماد على هذه المعلومة القيمة وفعلاً أطلعت على بعض معلومات هذا الكتاب القيم وأوجعني قلبي لما حصل للمسلمين المواركة خلال تلك الفترة.وإليكم بعض محتوياته:
*موجز تاريخ سقوط* ‬الأندلس
السبت ٥ أيار (مايو) ٢٠٠٧ بقلم عادل بشتاوي
مؤلف: ”الأندلسيون المواركة“ و”الأمة الأندلسية الشهيدة“
(4276 كلمة)
مقدمة:
يا* ‬أهل* ‬أندلس* ‬حثوا* ‬مطيّكمُ فما* ‬المقام* ‬بها* ‬إلا* ‬من* ‬الغلـط
الثوب* ‬ينسل* ‬من* ‬أطرافـه* ‬وأرى ثوب* ‬الجزيرة* ‬منسولاً* ‬من* ‬الوسط
لا يوجد في التاريخ الأندلسي ما يلخّص أبعاد سقوط طليطلة أكثر من هذين البيتين المنسوبين إلى الفقيه الزاهد ابن العسال. وإذا أضفنا إليهما قولين مشهورين آخرين هما ”رعي البعير ولا رعي الخنازير“ و”الأمارة لو على الحجارة“ فربما اكتملت سيرة ملوك الطوائف الذين تقاسموا حكم الأندلس بعد انهيار الخلافة الأموية. ولم تكن السيرة المقابلة للممالك الشمالية خلال القسم الأعظم من تلك الفترة سيرة الوحدة والقوة إذ كانت لا تزال على التنازع والتفرّق اللذين طبعا معظم تاريخها. لكن ما حدث في منتصف القرن الحادي عشر كان تبادلاً* ‬واضحاً* ‬في* ‬المواقف* ‬فصار* ‬الشمال* ‬فجأة* ‬أكثر* ‬وحدة،* ‬أو* ‬أقل* ‬تفرّقاً،* ‬من* ‬الجنوب* ‬الذي* ‬تقاسم* ‬سادته* ‬ألقاب* ‬الفخامة* ‬والعظمة* ‬والتمجيد* ‬والانتصارات* ‬التي* ‬لم* ‬تكن* ‬يوماً*.‬
وفي التاريخ الأندلسي أن ألفونصو السادس) أسبغت عليه البابوية صفة القداسة عام 1671(تظاهر بالنوم وهو في حمى طليطلة هرباً من أخويه وراح يصغي إلى حديث دار بين حاكم المدينة المأمون يحيى بن ذي النون وبعض وزرائه عن مناعة طليطلة، الواقعة على تل مرتفع يحيط به نهر تاجه العظيم، وانتهوا إلى التقرير بأن أخذ هذه المدينة يستوجب سبع سنوات من الحصار المسبوق بتخريب الأرض والأحواز وحرق الغلال وانقطاع المؤونة. ولا نعرف إن كانت هذه الحادثة وقعت فعلاً لأن أمراً عظيماً مثل الوضع العسكري لطليطلة لا يُبحث في حضور شخص مثل ألفونصو نائماً* ‬كان* ‬أو* ‬صاحياً،* ‬إلا* ‬أن* ‬الثابت* ‬أن* ‬ألفونصو* ‬كان* ‬يعرف* ‬المدينة* ‬جيداً*.‬
ونهج ألفونصو السادس في البداية نهج سابقيه فأنفق على نفسه وزوجاته الكثيرات وجيشه من الجزية السنوية التي كان يحملها إليه ملوك الطوائف، إلا أنه صار يكثر في المطالب فقل الذهب وبدأ غش العملة ولمس ضعف هؤلاء الملوك وحاجتهم إلى المهادنة فعاث في بلادهم كما شا. وحدث في ذلك الوقت أن فلت زمام الأمور من يد حاكم طليطلة القادر ذي النون بعد مقتل أحد الفقهاء المحبوبين فثار الناس وخلعوه وأجلسوا مكانه المتوكل بن الأفطس لكنّ الأخير ترك المدينة لمصيرها عندما سمع بقدوم ألفونصو ومعه القادر. ولم يجد أهل طليطلة نصيراً في باقي ملوك الطوائف فسلّموا المدينة لألفونصو بعد سبع سنوات من الحصار. وما كاد ألفونصو يستقر في عاصمته الجديدة حتى بدأت الهدايا والتهاني على هذا النصر المبين تفد إليه من بعض ملوك الطوائف. ومن هؤلاء حسام الدين بن رزين حاكم شنتمرية الذي حمل له هدية سنية فجازاه عليها ألفونصو بقرد. ولم ييأس بعض ملوك الطوائف من استعطاف ألفونصو وكسب ودّه ورضاه إلا عندما بدأ يغير سياسته مطالباً بالحصون والقلاع والأراضي. وعندما رد ألفونصو الجزية التي بعث بها المعتمد بن عباد اللخمي، حاكم أكبر دول الطوائف، لم يعد أمامه مفر من مواجهة الواقع* ‬فانصاع* ‬للضغط* ‬الشعبي* ‬ووافق* ‬وغيره* ‬من* ‬الحكام* ‬على* ‬استدعاء* ‬المرابطين* ‬وبدا* ‬له* ‬الخيار* ‬واضحاً* ‬بين* ‬رعي* ‬الخنازير* ‬عند* ‬ألفونصو* ‬أو* ‬رعي* ‬البعير* ‬عند* ‬سلطان* ‬المرابطين* ‬يوسف* ‬بن* ‬تاشفين*.‬
وفي الثلاثين من حزيران عام 1086 عبر يوسف العدوة على سفن اسطول إشبيلية ونزل الجزيرة الخضراء قرب جبل طارق، ثم سار إلى بطليوس ومعه جيوش من إشبيلية وغرناطة ومالقة وبطليوس. والتقى الجمع بجيش ألفونصو في منطقة تبعد ثمانية كيلومترات شمال شرقي بطليوس ونشبت معركة كبيرة تُعرف باسم”الزلاقة“ انتهت بهزيمة ألفونصو. غير أن المرابطين والأندلسيين لم يستثمروا هذا الانتصار ليأخذوا طليطلة فظلت في يد ألفونصو وتحولت إلى قاعدة مهمة كان يثب منها إلى المراكز الأندلسية كما حدث عندما بدأ يهدد مرسية. واستدعى المعتمد يوسف بن تاشفين ثانية* ‬بعد* ‬استفحال* ‬خطر* ‬ألفونصو* ‬وحاصر* ‬جيش* ‬المرابطين* ‬والأندلسيين* ‬حصن* ‬لييط* ‬Aledo* ‬قرب* ‬مرسية* ‬فاستعصى* ‬فانسحب* ‬قبل* ‬وصول* ‬ألفونصو* ‬لنجدة* ‬قواته*.‬
وجاز ابن تاشفين إلى الأندلس مرة ثالثة وحاصر طليطلة فاستعصت عليه أيضاً فارتد إلى غرناطة وملكها من عبدالله بن بلقين. وترك ابن تاشفين لقادته تصفية ملوك الطوائف فملكوا قرطبة بعد قتل حاكمها الفتح بن المعتمد فوضعت زوجته سائدة نفسها في حمى ألفونصو. وانتقل جيش المرابطين إلى المعتمد في إشبيلية فخف ألفونصو لنجدته بحملة أوكل بها أحد قادته لكن الأخير انهزم. وقاوم المعتمد جيش المرابطين عبثاً وحُمل إلى أغمات عاصمة المرابطين الأولى الواقعة جنوب شرقي مراكش، ومات هناك أسيراً عام 1095. أما سائدة فأصبحت زوجة ألفونصو وحملت له ابنه* ‬الوحيد* ‬سانشو* (شانجة(‬الذي* ‬قتل* ‬وهو* ‬في* ‬الحادية* ‬عشرة* ‬من* ‬عمره* ‬عام* 1108/501 ‬في* ‬معركة* ‬أقليش* ‬Ucles* ‬التي* ‬انتصر* ‬فيها* ‬المرابطون*. ‬ودهم* ‬ألفونصو* ‬غم* ‬عظيم* ‬لخسارة* ‬صغيره* ‬ففاضت* ‬روحه* ‬بعد* ‬سنة* ‬من* ‬ذلك* ‬تاركاً* ‬عرش* ‬قشتالة* ‬وليون* ‬وأشتوريش* ‬لابنته* ‬أراكة*.‬
واكتشفت أراكة وغيرها مع مرور الوقت عقم محاولة التصدي للمرابطين لأن هؤلاء أدخلوا فنونا حربية لم تعرفها الأندلس من قبل مثل الجمّالة واستخدام الطبول لإصدار الأوامر والإشارات الحربية، والهجوم العريض بالفرسان بدلاً من الزحف، واشتراك الزنوج وغير ذلك من المفاجآت التي دبّت الذعر في الشمال الأندلسي والدول الأوروبية. ولم يتمكن الشمال من تحقيق أي تقدم حاسم خلال فترة طويلة، إلا أن أحوال المرابطين آلت إلى الضعف مع الزمن فتمكن الشماليون عام 1118/512 من احتلال سرقسطة والمدن الرئيسية الأخرى التي تقع في الثغر الأعلى بمساعدة الفرنسيين والإيطاليين وغيرهم، وتضاعفت بذلك الرقعة التي سيطر عليها الشماليون معززين مركزهم باحتلال طرطوشة عام 1148 /543. وبعد سنة من ذلك احتلت مملكة أرغون لاردة وافراغة ووسّعت حدودها حتى نهر ابرة. لكن العمليات القتالية الشمالية لم تكلل كلها بالنجاح إذ حاول ألفونصو السابع احتلال قرطبة بمساعدة سكانها من النصارى المستعربين فأخفق، لكنه توج حكمه باحتلال المرية، فبقيت تلك العملية أوج انجازاته، كما كان إحتلال طليطلة أوج انجازات ألفونصو السادس. أما باقي الصورة فكانت تراجعاً جديداً أمام قوة جديدة نهضت على أنقاض المرابطين* ‬هي* ‬دولة* ‬الموحدين* 1123-1245/540-620.‬
وبدأ الموحدون فترة سيادتهم بانهاء ما بقي للمرابطين من سلطة في الأندلس واستعادوا مدينة المرية بعد عشر سنوات من سقوطها. وفي الشمال جدد ألفونصو الثامن (1214-1158) الحملات على الجنوب، وبات يشكل خطراً كبيراًً فجاز الخليفة الموحدي أبو يوسف يعقوب المنصور العدوة إلى طريف في الثلاثين من نيسان 1195 ((جمادى الآخرة 591) ومنها إلى إشبيلية ثم قرطبة فقلعة رباح التي تقع على بعد عشرة كيلو مترات إلى الشمال الشرقي من المدينة الملكية وسط الأندلس. وفي الثامن عشر من تموز التقى الخليفة الموحدي جيش ألفونصو في معركة سميت بالأرك، نسبة إلى حصن استخدمه الملك القشتالي لشن هجماته المتكررة على الأراضي الأندلسية، فكانت هزيمة ساحقة لألفونصو الذي انسحب من المعركة جريحاً، وفر إلى طليطلة ومعه 20 فارساً. أما الناجون فهربوا إلى الحصون القريبة واستسلم معظمهم بعد ذلك.
ولم تلجم هذه النكسة ألفونصو الثامن طويلاً إذ شرع اعتباراً من عام 1209 في مهاجمة بعض القواعد الأندلسية القريبة من منطقة سلطانه في فترة تميزت بتأجج الحماس الديني في أوروبة. وتنادت الكنيسة لنجدة الممالك المسيحية في الشمال الأندلسي، وأصبحت الفرصة مواتية لشن هجوم واسع النطاق على الدولة الإسلامية. وفي العشرين من حزيران عام 1212 انفتحت أبواب طليلطة وخرجت جيوش قشتالية وأرغونية وفرنسية ومعها أوروبيون آخرون قصدوا سهلاً يقع جنوب غربي حصن العقاب شمال مدينة جيان. والتقت هذه الجيوش مع جيش الموحدين والأندلسيين في السادس عشر من تموز (٤١ صفر سنة 609) فدارت معركة شرسة انتهت بهزيمة الموحدين والأندلسيين وانفتح الباب على مصراعيه لاجتياح الجنوب. أما الخليفة الموحدي محمد الناصر لدين الله فعاد إلى إشبيلية فمراكش وتوفى بعد سنة.
وحقق ألفونصو الثامن الموصوف بالنبيل انتصاره الحاسم في معركة العقاب لكن الفتوحات الشمالية العظمى التي لم تعرفها الأندلس من قبل كانت من نصيب فرناندو الثالث 1217-1252) الذي نزل على قرطبة في التاسع والعشرين من حزيران عام 1236 واتبعها بجيان (1246)) فاشبيلية ( (1248) ولم يتوقف إلا والسلطة الإسلامية مقصورة على الرقعة الجنوبية من البلاد، وانتقلت عاصمة قشتالة إلى إشبيلية. وخلال هذه الفترة كانت أرغون والبرتغال تتقدمان في اتجاه الجنوب لترسما حدودهما الجديدة.
وكما توافر لقشتالة ملك مهم مثل فرناندو الثالث، توافر لأرغون ملك لا يقل أهمية هو خايمي الاول 1213-1276) الذي احتل جزيرة ميورقة بمساعدة الايطاليين عام 1229، واستكمل في السنوات الخمس التالية احتلال الجزائر الشرقية قبل ان يسجل انتصاراً كبيراً باحتلال بلنسية عام 1238.
القرن* ‬الأسود حلّت بالعرب نكبات لا تُعد ولا تحصى وعرفوا كذلك انتصارات لا تُعد ولا تحصى هي الأخرى إلا أنه لا يوجد في التاريخ العربي أكثر حلكة ويأساً من القرنين الثالث عشر والسادس عشر الميلاديين فكلاهما شهد هجوماً واسع النطاق استهدف المشرق والمغرب معاً ولم تعد هناك قوة كافية لايقافه. وحل منتصف القرن الثالث عشر في الأندلس فإذا مئات الألوف من الأندلسيين إما قتلى أو أسرى أو مشردين أو لاجئين فتمزّق النسيج الاجتماعي وانهار الاقتصاد وضاعت الثروات بين ليلة وأخرى وعمّ الجوع. وخلال تلك الفترة الحالكة من التاريخ الأندلسي وجد الأندلسيون أنفسهم في وضع تحرّك دائم مدفوعين أبداً نحو الجنوب أمام جيوش فرناندو الثالث وخايمي الأول فلا يكادون يحلّون في المدينة التالية حتى يكون دورها جاء فتبدأ دوّامة الجلاء مرة أخرى. وفي سنوات الكارثة تلك تفرّق الأطفال عن الامهات والأباء عن الأولاد والزوجات عن الأزواج وانفرط عقد المجتمع وعصفت الفوضى بكل ما كان إلى الجنوب من وسط الأندلس، ولم يعد مُتاحاً لجمهور الأندلسيين خيار”رعي البعير“ ولا حتى خيار”رعي الخنازير“ بعد تنفيذ سياسة قامت على تفريغ معظم الأراضي والمدن الأندلسية.
أما مدد العدوة فتوقف هو الآخر ولم يعد المغرب قادراً على حشد القوات الكافية لوقف الاجتياح الشمالي بعدما كان دفع الجيش تلو الآخر إلى الأندلس حتى انهكت قواه وعجز عن صد الشمال المتحالف مع البابوية والمدعوم بصليبيي فرنسا وإيطاليا.أما قشتالة فتحوّلت إلى آلة حرب يسيّرها مجتمع مؤلف إما من مقاتلين أو كهنة لا تعرف الفئة الاولى منه سوى الحرب مصدراً رئيساً للثروة، ولا تريد الثانية التوقف قبل طرد العرب والإسلام من شبه جزيرة آيبرية. هذا في المغرب، إلا أن المشرق لم يكن أفضل حالاً إذ كانت الحروب مستمرة هناك ضد الممالك الصليبية.
وفي عام 1258/٦٥٦ دهم الوطن العربي خطر هائل عندما زحف المغول في اتجاه العراق واقتحموا ”مدينة السلام“ وأزالوا ما بقي من الخلافة العباسية. وعندما انسحب المغول من عاصمة المشرق لم يعد وصف”مدينة السلام“ مناسباً. أما الدمار الذي نالها وأهلها فكان هائلاً واستمر* ‬عشرات* ‬السنين* ‬حتى* ‬أن* ‬الرحالة* ‬ابن* ‬بطوطة* ‬وجد* ‬بعض* ‬الخراب* ‬قائماً* ‬عندما* ‬زارها* ‬في* ‬القرن* ‬الرابع* ‬عشر*.‬
وعلى رغم المقاومة الخارقة التي أبداها الأندلسيون بات واضحاً أن قواتهم العسكرية الذاتية كانت أضعف من ان تتصدى للمد الشمالي نتيجة 120 سنة من الاتكال على الآخرين لحمايتها، وهكذا بدأت الأندلس تدخل مرحلة التصفية قبل النهائية. وإزاء تردي الأوضاع إلى هذا الدرك جمع الأندلسيون كل ما تبقى من قوتهم وهاجوا في انتفاضة شعبية شاملة في حزيران/يونيو 1264 واستعادوا مناطق كثيرة بينها مدينة مرسية التي احتفظوا بها نحو سنتين. غير أن تلك القوة الجديدة لم تحتمل الجيوش التي سيّرها خايمي الأول فسقطت مرسية ثانية. ولم يبق لأرغون بعد ذلك ما تحتله فانصرفت إلى بناء امبراطوريتها في البحر الابيض المتوسط تاركة استكمال احتلال الأندلس لملوك قشتالة، وان كان دعم أرغون لجارتها في الحروب التي دارت في فترات لاحقة مع الأندلسيين لم يتوقف.
ونهجت البرتغال هي الأخرى نهجاً منفصلاً عن قشتالة، وبرزت كياناً متميزاً منذ اعترف البابا بها مملكة مستقلة عام 1179. وما ان حلت سنة 1236 حتى كانت البرتغال أخذت مدينة طبيرة الساحلية في الجنوب منهية بذلك توسعها وراسمة حدودها التي بقيت في صورة عامة على تلك الحال.
وفي الفترة بين 1297 و1325 عمل الملك البرتغالي ديونيسوس الاول الملقب بـ”العامل“ على تطوير البنية الاقتصادية لمملكته معتمداً على توسيع نشاطات التعدين والتجارة، وتابع من جاء بعده الطريق نفسه واستمر الصراع مع قشتالة للاحتفاظ باستقلالية البرتغال حتى عام 1385، عندما انتصر البرتغاليون على القشتاليين في المعركة المعروفة بإسم”الجبروت.
وفي عهد الملك يوحنا الاول (٥٨٣١-٣٣٤١) بدأت فترة توسع كبيرة نحو أفريقية كانت فاتحتها احتلال مدينة سبتة عام 1415، ثم كان للبرتغال بعد ذلك دورها المعروف في الاهتداء إلى طريق التوابل بمساعدة* ‬ملاح* ‬عربي* ‬مشهور* ‬في* ‬نهاية* ‬القرن* ‬الخامس* ‬عشر،* ‬وبناء* ‬أمبراطوريتها* ‬في* ‬أفريقية* ‬والمحيط* ‬الهندي* ‬والبرازيل*.‬
أحوال* ‬مملكة* ‬غرناطة بين سقوط مرسية واستسلام غرناطة 226 سنة خرج خلالها العالم من حقبة ودخل أخرى وتبدلت مواقع القوى وتغيرت الأولويات. وانحسر شأن البلاد العربية المشارقية التي حكمتها مجموعة أخرى من سلاطين وملوك وأمراء الطوائف فانحسرت مخاوف المسيحية وخمد توقّد الروح الصليبية. ولم يعد للبابوية دورها المهم فانصرف أمراء الفاتيكان إلى الاهتمام بالدنيا وشؤونها.
وفي الأندلس كانت قشتالة وأرغون قضمت في القرن الثالث عشر لقماً فاضت بكثير عن قدرتها على الابتلاع فلم تستطع إعادة إعمار معظم المدن الرئيسية التي اجتاحتها. واتسعت آنذاك رقعة الأراضي في صورة بات معها توفير الحماية المناسبة لها صعباً لذا كان استئناف الحرب مع غرناطة جهداً لم تكن قشتالة قادرة عليه فعاد الطرفان إلى النهج المعروف في الأندلس وارتضت قشتالة قبول جزية السلام من غرناطة وتقلبت العلاقة بينهما بين الصداقة والعداء والهدنة والقتال. ولم* ‬يكن* ‬انشغال* ‬ملوك* ‬غرناطة* ‬بأنفسهم* ‬أقل* ‬حدة* ‬مما* ‬كان* ‬يحدث* ‬في* ‬قشتالة* ‬ولطالما* ‬توجه* ‬هذا* ‬الطرف* ‬أو* ‬ذاك* ‬إلى* ‬الآخر* ‬طلباً* ‬للمساعدة* ‬على* ‬قهر* ‬الخصوم* ‬أو* ‬دعم* ‬السلطة*.‬
ولا تخفي هذه الصورة الكبيرة من الهدنة والسلام صوراً حربية أقل حجماً وأقصر عمراً حاولت مملكة غرناطة الالتفاف عليها عن طريق تجنّب الصدام مع قشتالة بوسائل شتى بما في ذلك التنازل، ولو موقتاً، عن المناطق الاستراتيجية بل حتى التعاون العسكري مع القشتاليين كما حدث آخر أيام الشيخ محمد الأول بن الأحمر”الغالب بالله“ مؤسس مملكة غرناطة 1238-1272، وكثيرين ممن خلفوه في حكم آخر الممالك الإسلامية في الأندلس. ونجحت هذه السياسة حيناًًًًً وأخفقت حيناًًًًً آخر.
وفي لحظات اشتداد الضغط القشتالي لجأ حكام غرناطة إلى الاستنجاد بسلاطين المغرب كما حدث عندما قاد السلطان المريني أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق الملقب بـ”المنصور“ جيشا عام 1275 (673) عبر به الزقاق وهزم القشتاليين قرب مدينة استجه، ثم عبر الزقاق ثلاث مرات بعدها لوقف القشتاليين عند حدود غرناطة. وفي فترات أخرى ساهمت مشيخة الغزاة المغربيّة في مساعدة أهل غرناطة على صد الشماليين. وكان قادة المشيخة من أقارب السلطان المريني لكن العلاقات بين السلطتين، الغرناطية والمغربيّة، لم تكن جيدة على الدوام. ونمت في أوقات أخرى أزمة من عدم الثقة شبيهة بأزمات مماثلة سابقة بين الأندلسيين وكل من المرابطين* ‬والموحدين* ‬الأمر* ‬الذي* ‬زاد* ‬ضعف* ‬غرناطة* ‬وفتح* ‬الطريق* ‬أمام* ‬الشماليين* ‬ثانية*.‬
وفي بداية القرن الرابع عشر دخلت غرناطة وقشتالة مرحلة جديدة من الصراع أحرزت خلالها قوات بحرية مشتركة من قشتالة وأرغون والبرتغال انتصاراً حاسماً على غرناطة عام 1340 (740) وتوغلت قوات برية مشتركة من الممالك المسيحية الثلاث في أراضي غرناطة فاستنجدت بالسلطان المريني ابي الحسن علي بن ابي يعقوب. وخاض الطرفان معركة ضارية مع القوات المسيحية في الثلاثين من تشرين الأول/أكتوبر(السابع من جمادى الأولى) انتهت بهزيمة القوات الإسلامية في وقعة طريف التي يُقال إن المرينيين فقدوا خلالها مصحف عثمان. ‬وانقطع* ‬المدد* ‬المغربي* ‬عن* ‬الأندلس* ‬بعد* ‬ذلك،* ‬وضعف* ‬شأن* ‬السلطان* ‬في* ‬المغرب* ‬واقتصرت* ‬مساعدة* ‬غرناطة* ‬على* ‬إمدادات* ‬محدودة*.‬
وعلى رغم هذه النكسات تمكّنت غرناطة من الاستمرار 152 سنة تلت معركة طريف، ونعمت بفترات طويلة من السلام والإزدهار الحضاري والتجاري، وتطورت فيها العلوم والآداب والصناعات والعمارة التي تشهد عليها الآثار المتبقية حتى اليوم في عاصمة بني الاحمر الذين اكتسبوا صفتهم هذه بسبب شقرة شعر مؤسسها.
وتقوّت هذه المملكة بالنازحين إليها من المدن والمناطق التي وقعت تحت سيطرة ممالك الشمال ممن رغبوا في البقاء في الأندلس وعدم جواز العدوة، فتجمّع في غرناطة على مدى السنين أكثر من مليون أندلسي انضمّ اليهم في القرن الثالث عشر نحو نصف مليون أندلسي آخر جاء أكثر من نصفهم من مدن قرطبة وإشبيلية وشريش وقادس ( (300.000 تقريباً، ونحو 50.000 شخص من مملكة بلنسية وما حولها.
ولم تكن هذه القوة كافية لانتزاع الأراضي التي احتلتها قشتالة وأرغون إلا أنها كانت قادرة على صد الشماليين فترة طويلة من خلال مجموعة من الحصون كانت من بين الأمتن في أوروبة آنذاك. وفي بعض الحالات استغل الغرناطيون ضعف قشتالة فتوقفوا عن دفع الجزية التي وصلت أحياناً إلى 12.000 قطعة ذهب سنوياً، ونشبت بسبب ذلك معارك متفرقة أثبت الأندلسيون فيها قوتهم لذا احتفظت هذه المملكة عموماً بمعظم الاراضي* ‬التي* ‬قامت* ‬عليها* ‬دولة* ‬بني* ‬الأحمر* ‬في* ‬البداية*.‬
الحرب* ‬ضد* ‬غرناطة اضطربت التوازنات الدولية بعنف في بداية النصف الثاني من القرن الخامس عشر عندما أخذ محمد الخامس القسطنطينية عام 1453 وبدأ يدق أبواب جنوب أوروبة فتخلّعت مفاصلها وبات العثمانيون خلال وقت قصير نسبياً أكبر خطر يتهدد أوروبة والمسيحية. وعلى رغم تحرّك ملوك أوروبة والبابوية لحشد الصفوف بغية وقف تقدم العثمانيين فإنّ معظم تلك المحاولات انتهى إلى الإخفاق. ولم تتمكن أوروبة والبابوية من الرد على انتصارات العثمانيين إلا عندما دخلت قوات قشتالة غرناطة مطلع 1492 تتقدمها ملكة ولدت قبل سنتين من سقوط القسطنطينية لذا هيمن* ‬على* ‬وعيها* ‬منذ* ‬بداية* ‬طفولتها* ‬أكبر* ‬هزيمة* ‬لحقت* ‬بالمسيحية* ‬على* ‬يد* ‬الإسلام* ‬بسقوط* ‬عاصمة* ‬الكنيسة* ‬الشرقية* ‬وما* ‬تلاها* ‬من* ‬الانكسارات* ‬التي* ‬أوقعها* ‬العثمانيون* ‬بأوروبة* ‬بعد* ‬ذلك*.‬
وماتت إيزابيلا في الثالثة والخمسين من العمر وهاجس محاربة الإسلام، أو الدفاع عن قشتالة، لا يزال يسيطر على تفكيرها. وحدث هذا في وقت لاحق برعاية البابوية التي أججت التعصب للكاثوليكية والحقد على الإسلام، أما قبل ذلك فربما لم يكن تفكير إيزابيلا يختلف عن تفكير الفتيات في عمرها عندما تزوجت وهي في الثامنة عشرة من العمر قريبها الأرغوني الأمير فرناندو الذي كان أصغر سناً منها(17) سنة.
ولم تمض خمس سنوات على زواجهما حتى ورثت إيزابيلا عرش قشتالة وليون، وصار زوجها ملكاً لقشتالة باسم فرناندو الخامس. وبعد خمس سنوات من ذلك آلت إلى فرناندو مملكة أبيه فجمع إلى اسمه الملكي القشتالي لقب فرناندو الثاني الأرغوني لكنه عُرف عموماً وحتى موته عام 1516 باسم فرناندو الخامس. وكانت البرتغال وقتها مملكة ناهضة، إلا أن حجمها لم يزد كثيراً على سُدس مساحة شبه جزيرة آيبرية التي عرفت للمرة الأولى* ‬في* ‬تاريخها* ‬اتحاداً* ‬حقيقياً* ‬ضمّ* ‬القوة* ‬البحرية* ‬الكبيرة* ‬التي* ‬تمتعت* ‬بها* ‬أرغون* ‬والقوة* ‬البرّية* ‬التي* ‬سيطرت* ‬عليها* ‬قشتالة*.‬
ولا يوجد سبب واحد وراء اندلاع الحرب بين قشتالة المُتحدة مع أرغون وبين مملكة غرناطة يمكن اعلاؤه على الأسباب الاخرى كافة. وبرزت في تلك الفترة مخاوف قشتالية من احتمال استخدام العثمانيين أو الفرنسيين مملكة غرناطة للضغط على قشتالة وأرغون. كما أن بعض الاصلاحات التي أقدمت عليها إيزابيلا بهدف تدعيم سلطتها أضرّت بالنبلاء وكان توجيه كل الانظار إلى العدو الغرناطي المشترك وسيلة لاسكات أصوات المعارضة. ولا يمكن التقرير بالضبط ماهية العامل الأقوى، إلا أن الظاهر أن الأزمة بين قشتالة وغرناطة تطورت بين الجانبين في بداية الثمانينات من القرن الخامس عشر مثلما تطورت بين ألفونصو السادس وملوك الطوائف في بداية الثمانينات من القرن الحادي عشر وكان أساسها الجزية.
وكما غالى ألفونصو في مطالبه آنذاك نجد إيزابيلا تفعل الشيء نفسه فرفض أبو الحسن علي بن سعد دفع الجزية وأبلغ* ‬إلى* ‬سفير* ‬إيزابيلا* ‬أن* ‬سلاطين* ‬غرناطة* ‬الذين* ‬تعودوا* ‬دفع* ‬الجزية* ‬ماتوا،* ‬وان* ‬دار* ‬السك* ‬لا* ‬تنتج* ‬إلا* ‬السيوف* ‬هذه* ‬الأيام*.
ولما* ‬سمع* ‬فرناندو* ‬ردّ* ‬السلطان* ‬صاح:
*‬ Yo arrancaré uno a uno los granos de esa Granada
‬أي*” ‬سانتزع* ‬حبّات غرناطة* ‬واحدة* ‬واحدة*“‬،* ‬مستخدماً* ‬المعنى* ‬المجازي* ‬لأن* ‬كلمة* ‬Granada* ‬تعني* ‬بالقشتالية* ‬الرمّانة.
ويبدو من سير العمليات العسكرية الأوليّة بين الجهتين أن إيزابيلا وفرناندو كانا يريدان تشديد الضغط على غرناطة لاستئناف دفع الجزية والتنازل عن بعض القلاع والحصون المنيعة. لذا أخذت العمليات شكل المناوشات والإغارات المتبادلة على المواقع فكانت الغلبة لهذا الفريق مرة وللثاني مرة أخرى إلى أن تمكن مركيز قادس من تحقيق أهم انتصار عندما احتل قلعة الحمة (الحامة) الواقعة جنوب غربي غرناطة عام 1482.
وخلال هذه الفترة نشب نزاع بين أبي الحسن وابنيه أبو عبدالله محمد، ويوسف سببه استنصارهما لأمّهما عائشة من ضرتها القشتالية الحسناء إيزابيلا دي سوليس (ثريا) التي أسرها أبو الحسن خلال احدى غاراته. ولم تعد عائشة تحتمل البقاء في الحمراء فانتقلت إلى رباض البيازين مع ولديها اللذين رفعا راية العصيان ضد أبيهما. وخلال المعارك التي دارت بين الطرفين بعد ذلك قُتل يوسف، ثم نظّم بنو السرّاج* ‬حركة* ‬عصيان* ‬في* ‬مدينة* ‬غرناطة* ‬فأبعدوا* ‬الأب،* ‬وأحلّوا* ‬محله* ‬ابنه* ‬أبا* ‬عبدالله*.‬
وقاد السلطان الجديد الغرناطيين في القتال ضد قشتالة لكنّه وقع في الأسر جنوب شرقي قرطبة عام 1483. ويبدو أن أسر الملك أبي عبدالله محمد ساهم في انتقال تفكير إيزابيلا وفرناندو من مجرد إخضاع غرناطة وإجبارها على استئناف دفع الجزية إلى محاولة شن حرب شاملة لانهاء وجود هذه المملكة.
وكان تحت إمرة فرناندو جيش ضخم قوامه نحو 52.000 جندي إلا أنه كان يفتقر إلى المدفعية الثقيلة لدك أسوار القلاع والحصون، وإلى شقّ الطرق لنقل تلك المدافع في المناطق الغرناطية المعروفة بوعورتها. وتطلب هذا كله توفير مبالغ طائلة لم تكن قشتالة تملكها فعمدت إيزابيلا إلى الحصول على تمويل من بعض الأثرياء اليهود والألمان والإيطاليين وكتبت إلى البابا تعرض عليه الخطة وتطلب منه المساعدة على تمويل هذه الحرب.
أما أهم أوراق إيزابيلا خلال تلك المرحلة فكانت أسيرها الملكي أبو عبدالله المعروف في الروايات الأندلسية والإسبانية باسم ”الملك الصغير“. وفي عام 1485 أطلقت إيزابيلا أسيرها فقام يطلب الملك من أبيه.
واستمر القتال بين الأب وابنه حتى أصيب الأب بالعمى والصرع ومات، فآل السلطان إلى أخيه الملقّب بـ”الزغل“. واستمر الخلاف بين الملك الصغير وعمه، وتطور إلى حرب شطرت في وقت متقدم مدينة غرناطة إلى نصفين أولهما في قصبة الحمراء وثانيهما في رباض البيازين قبالتها. وضج الناس من هذه الحرب الأهلية، ويئس الزغل من الاستمرار فعمد إلى ابرام اتفاق مع إيزابيلا عام 1489 (895) لضمان سلامته وحاشيته وهجر غرناطة إلى تلمسان حيث سجنه سلطان* ‬المغرب* ‬محمد* ‬الشيخ* ‬وسمل* ‬عينيه* ‬وأخذ* ‬أمواله*.‬
وخلال سنوات الاقتتال الداخلي الحاسمة دار اقتتال أشدّ ضراوة منه بين جيش فرناندو الذي قاد دفة المعارك وبين المدافعين عن المدن والحصون الغرناطية، فيما ضربت أساطيل البرتغال وأرغون وإيطاليا الحصار على السواحل الغرناطية لقطع خطوط الإمداد. وبعد عدد من المعارك الطاحنة التي لم تعرف شبه جزيرة آيبرية مثيلاً لها من قبل، احتلت جيوش فرناندو رندة عام 1485 (890) ومالقه عام 1487 (892) وبدأت تنصب مدفعيتها حول غرناطة اعتباراً من نيسان /إبريل 1490، أي 895 هجرية.
وفيما لجأ قسم من سكان مملكة غرناطة إلى الجبال، احتمى أهل غرناطة بأسوار مدينتهم الحصينة فأسند فرناندو إلى نحو 30 ألف جندي مهمة تخريب الحقول والمروج وقطع الشجر وحرق المحصول لتشديد الضغط على المحاصرين لأن هذا الجهد كان من الجهود الرئيسية لاخضاع المدن. لكن الماء ظل يتدفق إلى غرناطة من الجبال المحيطة بها عبر قنوات سرّية* ‬مدفونة* ‬تحت* ‬الأرض* ‬لذا* ‬لم* ‬يكن* ‬الوضع* ‬يائساً*.‬
وكان العقد الممتد بين 1481 و1491 دامياً وعصيباً وحاسماً. وكانت المعارك تدور عادة خلال فصلي الربيع والخريف، وكان قسم منها لا يزال تقليدي الطابع مثل الكر والفر والزحف والمبارزات الفردية بين الفرسان بالسيوف والرماح، بينما عكس القسم الثاني تطور آلة الحرب في تلك* ‬الفترة* ‬خصوصاً* ‬البنادق* ‬الأوّلية* ‬والمدفعية*”الثقيلة*“‬التي* ‬استخدمتها* ‬قشتالة* ‬على* ‬نطاق* ‬واسع* ‬بإدارة* ‬خبراء* ‬استقدمتهم* ‬من* ‬ألمانيا* ‬وايطاليا*. ويبدو أن تأثير المدفعية لم يكن كبيراً إذ ظلت الأسوار صامدة وبقيت معنويات المدافعين عن غرناطة عالية. وفي هذه الأثناء اشتدت الضغوط على الخزانة القشتالية، وبدأ الشك يتسلل إلى كل من إيزابيلا وفرناندو باحتمال تحقيق النصر على مملكة غرناطة قبل نفاد ما تبقّى من التمويل* ‬في* ‬تلك* ‬الفترة*.‬
ولعب عاملان آخران دورهما في تغيير استراتيجية إيزابيلا وفرناندو تجاه غرناطة خلال المرحلة الأخيرة من الحرب: الأول توجيه غرناطة الرسل الى الدول العربية والإسلامية القوية لمساعدتها وارتفاع الأصوات في العالم الإسلامي للتدخل لوقف الهجوم القشتالي، والثاني تسبب استمرار الحرب مع غرناطة في إعاقة جهد قشتالة دخول السباق الحاسم مع البرتغال للوصول إلى مصادر التوابل في الهند حيث الثروة الهائلة التي كانت تنتظر أول الواصلين إليها. ولم يأت المدد العربي أو الإسلامي الذي توقعته غرناطة وكان هذا خطأ كبيراً لم ينتبه إليه العرب إلا بعدما بدأ الإسبان مهاجمة السواحل المغاربية واحتلال عدد منها. لكن أسباب السباق مع البرتغال وارتفاع تكاليف الحرب واحتمال صمود غرناطة ست أو سبع سنوات أخرى كانت كافية لإعلان إيزابيلا وفرناندو رغبة قوية في بدء المفاوضات مع المملكة العربية.
تسليم* ‬غرناطة* ‬ورحيل* ‬الملك* ‬الصغير جرى معظم مفاوضات تسليم غرناطة سراً، وكان أغلبها ليلاً في غرناطة نفسها أو في قرية قريبة منها. ومثّل الملك الصغير في هذه المفاوضات عدد من وزرائه بينما مثّل إيزابيلا أمين سرها فرناندو دي زفره ومسؤول رفيع آخر هو غونثالو القرطبي الذي كان ناطقاً بالعربية عارفاً بعادات* ‬العرب* ‬وتقاليدهم*.
وساهم* ‬في* ‬الترجمة* ‬بين* ‬الجانبين* ‬يهودي* ‬هو* ‬جبرائيل* ‬إسرائيل* ‬Gabriel Israel. وبعد عدد من الاجتماعات توصل الطرفان إلى الاتفاق على شروط المعاهدة في الخامس والعشرين من تشرين الثاني /أكتوبر عام 1491 (21 محرم897) على ان تدخل قوات قشتالة المدينة بعد 60 يوماًًً.
ولما تسربت أنباء هذه المعاهدة ثار أهل مدينة غرناطة فعُرضت عليهم بنود المعاهدة وبُيّن لهم”أن صاحب رومة (البابا) يوافق على الالتزام والوفاء بالشروط إذا أمكنوه من حمراء غرناطة والمعاقل والحصون، ويحلف على عادة النصارى في العهود، وتكلم الناس في ذلك، وذكروا أن رؤساء أجناد المسلمين لما خرجوا للكلام في ذلك أمتن عليهم النصارى بمال جزيل* ‬وذخائر،* ‬ثم* ‬عقدت* ‬بينهم* ‬الوثائق* ‬في* ‬شروط* ‬قرئت* ‬على* ‬أهل* ‬غرناطة،* ‬فانقادوا* ‬إليها* ‬ووافقوا* ‬عليها.“
ولم* ‬يبق* ‬بعد* ‬ذلك* ‬ما* ‬يمنع* ‬تنفيذ* ‬المعاهدة* ‬فاتفق* ‬الملك* ‬الصغير* ‬وإيزابيلا* ‬على* ‬تقديم* ‬أجل* ‬تسليم* ‬المدينة* ‬إلى* ‬الثاني* ‬من* ‬كانون* ‬الثاني* /‬يناير*عام* 1492.‬
وفي الموعد المحدد دخلت طلائع جيش قشتالة المدينة ورفعت العلم على قصبة (قلعة) الحمراء وبدأ الملك الصغير تجهيز نفسه وحاشيته لإخلاء المدينة لإيزابيلا وفرناندو استعداداً لدخولهما إليها. وبعد ستة أيام من دخول الجيش القشتالي غرناطة وقف فرناندو وحاشيته أمام مسجد يقع جنوب غرناطة حوّله فرناندو إلى كنيسة تُعرف باسم”كنيسة القديس سباستيان“، وانتظر الملك الصغير الذي عبر نهر شنيل ومعه كوكبة من نحو 50 فارساً وحاشية بعدد مماثل وتبادلا التحية لحظات، ثم أمر فرناندو بتسليم أبي عبد الله ابنه الأسير ونحو 400 من أعيان غرناطة احتفظ بهم فرناندو رهائن خوف انقلاب أهل غرناطة عليه.ولم يبق عندها سوى الوداع فأكمل الملك الصغير طريقه إلى سكناه الجديد في أندرش في جبل البشرات. وفي الروايات الإسبانية والأندلسية أن الملك الصغير توقف عند نقطة مرتفعة في الطريق تطل على غرناطة وتنهّد وبكى فنهرته أمه* ‬عائشة* ‬وقالت* ‬بيتها* ‬الشهير:
ابك* ‬مثل* ‬النساء* ‬ملكا* مُضاعاً ‬ لم* ‬تحافظ* ‬عليه* ‬مثل* ‬الرجال
ولم تطل إقامة الملك الصغير في أندرش إذ باعت إيزابيلا الضيعة التي أقطعتها له وهو لا يزال يعيش فيها، وسلمته ثمن الأرض الذي يزعم مؤرخون إسبان إنه وصل إلى نحو 80.000 دوقة ذهبية. وعرف الملك الصغير ان إيزابيلا لم تعد تريده في البلاد فعبر الزقاق عام 1493 إلى مليلة في المغرب. ويروي لنا المقري ما حدث لهذا الملك بعد ذلك فيقول إن أبا عبد الله الصغير”استقر في فاس بأهله وأولاده معتذراً عما أسلفه، متلهّفاً على ما خلّفه. وبنى بفاس بعض قصور على طريق بنيان الأندلس، رأيتها ودخلتها، وتوفي رحمه الله تعالى بفاس عام أربعين وتسع مئة (1518، ودفن بإزاء المصلى خارج باب الشريعة وخلّف ولدين اسم أحدهما يوسف والآخر أحمد، وعقب هذا السلطان بفاس إلى الآن. وعهدي بذريته بفاس عام 1027، يأخذون من أوقاف الفقراء والمساكين، ويُعدّون من جملة الشحاذين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم“.
ولم* ‬يكن* ‬تسليم* ‬غرناطة* ‬خيار* ‬الجميع* ‬إذ* ‬فضل* ‬موسى* ‬بن* ‬أبي* ‬الغسان* ‬ترك* ‬المدينة* ‬وخرج* ‬من* ‬باب* ‬البيرة* ‬ولم* ‬يُسمع* ‬عنه* ‬بعد* ‬ذلك*. ‬وينقل* ‬ارفنج* ‬عن* ‬القس* ‬أنطونيو* ‬أجابيدا2 مصير موسى فيقول إن سرية من فرسان قشتالة التقت به على ضفة نهر شنيل ”فلما رأوه يعدو على ذلك النحو طلبوا اليه ان يقف وان يعرّف بنفسه فلم يجب الفارس المسلم، لكنه وثب إلى وسطهم، وطعن أحدهم برمحه وانتزعه من سرجه فألقاه على الأرض، ثم انقض على الباقين. وكانت ضرباته ثائرة قاتلة، كأنه لم يشعر بما أثخنه من جراح، ولم يرد إلا ان يقتل دون رغبة في ان يعيش لينعم بظفره. وهكذا لبث يبطش بالفرسان حتى أفنى أكثر من نصفهم. غير أنه جرح في النهاية جرحاً خطراً، ثم سقط جواده من تحته قتيلاً بطعنة أخرى، فسقط على الأرض، لكنه ركع على ركبتيه واستل خنجره وأخذ يناضل عن نفسه، فلما رأى قواه نضبت، ولم يرد أن يقع أسيراً في يد خصومه ارتد إلى ورائه بوثبة أخيرة، والقى بنفسه إلى مياه النهر، فابتلعه لفوره، ودفعه سلاحه الثقيل إلى الأعماق“.
ويروي القس أجابيدا إن هذا الفارس هو موسى بن أبي الغسان، وأن بعض العرب المتنصّرين في المعسكر الإسباني عرفوه من جواده المقتول. لكننا لا نجد أي ذكر لهذا الفارس في المصادر العربية، ولا نعرف ماذا جرى لكل اولئك الذين عارضوا تسليم غرناطة.

ولاحقاً أحوال المسلمين المواركة بعد السقوط.

الرندي غير متواجد حالياً  
قديم 14-02-2008, 08:18 PM   #7 (permalink)
مسافر متميز
 
الصورة الرمزية الطاقة الذاتية
 
تاريخ التسجيل: Apr 2006
رقم العضوية :72536
المشاركات: 515




افتراضي


اعتماد
ما اجمل وأروع موضوعك
سلمت أناملك

الرندى
ما أعظم مداخلتك وأحلاها
منذ من زمن لم أقرأ بمثل هذه المتعة
أشكرك

الطاقة الذاتية غير متواجد حالياً  
قديم 22-02-2008, 03:26 AM   #8 (permalink)
مسافر متميز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
رقم العضوية :40546
المشاركات: 311




افتراضي


الطاقة الذاتية شكراً لردك الجميل ولكن الفضل للأخت أعتماد لطرحها هذا الموضوع الشيق والآن إليكم جزء آخر من هذا الكتاب الممتع :
ورقة المؤرخ عادل سعيد بشتاوي إلى المؤتمر العالمي العاشر للدراسات الموريسكية في زغوان (تونس
أيد الأندلسيون في أرغون عودة كارلوس فكافأهم على ولائهم بإلزام نفسه في خطاب استلام عرش أرغون الذي ألقاه خلال الاحتفال الذي جرى في مدينة سرقسطة بعدم التدخل في الشؤون الدينية للأندلسيين متابعاً بذلك السياسة التي انتهجها جده فرناندو ومعظم الملوك الذين سبقوه. وترعرع كارلوس بعيداً عن التعصب الديني القشتالي والكراهية الدينية التي جبلت طبيعة جدته إيزابيلا. ولم يعرف في حياته خارج قشتالة شخصيات فيها الحقد والتشدّد الموجودان في أمثال توركيماده وخيمينس، لذا جاء إسبانيا في المرة الأولى عام 1517 وهو يفكّر بحل هذه المحاكم لأنه لم يكن وقتها في حاجة إلى خدماتها كخط دفاعي ثان عن السلطة كما كانت أيام جدته نظراً إلى سلطاته الهائلة وجبروته العظيم. وعاد في المرة الثانية عام 1522 وهو متردد، ثم تغيّر الوضع بسرعة بعد نهوض حركة الإصلاح اللوترية. ففي الفترة بين 1523 و1525 نمت في زوريخ حركة معادية للبابوية ما لبثت أن اتسعت لتشمل أقساماً من المانيا والنمسا. وبدأ انتشارها يشكّل تهديداً حقيقياً لسلطة كارلوس في أوروبة وخسارة محتملة للضرائب التي كان يحصّلها من الألمان والهولنديين فزاد اعتماده على محاكم التحقيق كذراع ضاربة أخرى تُضاف إلى الذراع العسكرية. وتحركت الكنيسة القشتالية محلياً فبدأت مرحلة جديدة من التشدد والضبط طاولت خاصة الأندلسيين الغرناطيين وأفرزت مرسوماً صدر عام 1525أكد محظورات مرسوم عام 1508 وأضاف إليه محظورات جديدة. إلا أن التطوّر الأبرز بعد ذلك كان شروع الكنيسة وعمّال محاكم التحقيق في تعميد مجموعة كبيرة من الأندلسيين قسراً. وانتقد كارلوس مرة مهندساً قشتالياً لأنه بنى كنيسة داخل حرم المسجد الكبير في قرطبة، لكن هذا الأمبراطور كان يعيش مخاوف مضاعفات انتشار حركة البروتستانت في ممالكه الأوروبية عندما تقدم إليه زعماء غرناطة يطلبون وقف مضايقات السلطات التي سعت إلى إلزام الأندلسيين الغرناطيين التقيد ببنود المرسوم. وبعدما استمع كارلوس إلى الوفد أمر بتشكيل لجنة خاصة عهد برئاستها إلى رئيس أساقفة مدينة قادس للبحث في مطالب الأندلسيين ورفع تقرير إليه بذلك. وكان الأندلسيون يتوقعون استمرار كارلوس في موقفه المعتدل منهم اعترافاً منه بفضل تأييدهم لعودته خلال ثورات أهل المدن. لكن الوضع الدولي والمحلي كان تغيّر آنذاك وسرت في قشتالة خشية كبيرة من احتمال تغلغل الحركة البروتستانتية في المجتمعات القشتالية. وهكذا بدلاً من أن توصي اللجنة بتخفيف القيود عن الأندلسيين أوصت كارلوس بتأسيس محكمة للتفتيش في غرناطة وزيادة الضغوط والتشديد على تنفيذها فوافق على ذلك وبدأ تطبيق التوصيات في العام التالي.
وتضمنت المحظورات آنذاك لائحة قديمة شملت منع التخاطب بالعربية أو ارتداء الزي الوطني أو الصلاة والوضوء، وكان من الجديد فيها منع ختان الأولاد وحظر طلاء الأيدي بالحنّاء والإصرار على الإقبال على أكل لحم الخنزير وشرب الخمر وطهو لحم الحيوانات التي تموت ميتة طبيعية من دون ذبحها، وغير ذلك الكثير. وفي عام 1529 شهدت غرناطة حادثاً مروّعاً حين أحرقت السلطات المدنية أول مجموعة أندلسية بتوصية من محكمة التحقيق في غرناطة فدبّ الرعب في قلوب الأندلسيين وفرت أعداد من أهل غرناطة إلى الشمال، واختلطت بسكان مدن قشتالة وأرغون. وجرت مفاوضات بعد ذلك بين زعماء غرناطة ومستشاري كارلوس انتهت إلى الاتفاق على تخفيف الضغوط عن الأندلسيين لقاء دفع مبلغ 80.000 دوقة سنوياً إضافة إلى ضريبة عُرفت باسم "ضريبة الفرضة" مقدارها 20.000 دوقة سنوياً سُمح للأندلسيين بعد تسديدها التخاطب بالعربية وارتداء ملابسهم الأندلسية مدة 40 سنة. وقدم الأندلسيون الرشاوى للسلطات المدنية وبعض عمال محاكم التحقيق فخفّ التضييق والملاحقة وأضحت حياة أهل مملكة غرناطة بعد ذلك على قدر معقول من الاحتمال.
ولم يستمر هذا الوضع طويلاً ووجد الأندلسيون أنفسهم جزءاً من صراع دولي قابلت فيه أمبراطورية كارلوس الخامس أمبراطورية ماثلتها أو تفوّقت عليها هي الدولة العثمانية. فبين عامي 1512و1520 اجتاح العثمانيون سورية والحجاز ومصر. ودخل سليمان الثاني بعد ذلك بسنة مدينة بلغراد واستسلم لقواته بعد سنة أخرى فرسان القديس يوحنا الذين سيطروا على جزيرة رودس، وتحكّم بالتجارة التي كانت لجنوة والبندقية، ثم انهارت هنغاريا عام 1526 واقترب العثمانيون من حدود ممالك كارلوس الخامس في النمسا وحاصروا عاصمتها فيينا للمرة الأولى عام 1529 وفي الجزائر أسس الأخوان عروج وخير الدين بربروسا دولة تصدّت لإسبانيا فقتل الإسبان عروجاً في معركة تلمسان عام 1518، فيما طلب خير الدين (1475-1546) زيادة الدعم العثماني وتمكن من هزيمة الأسطول الإسباني بعد عام من مقتل أخيه. ومن المراكز الجزائرية اعترضت سفن بربروسا سفن كارلوس الخامس وأغارت على مالقة وبلنسية وقادس، ثم اتسع نطاق هذه الحملات بدعم ملك فرنسا فرانسيس الأول لتشمل ممالك إسبانيا في إيطاليا أسر خلالها الألوف من القشتاليين والأرغونيين والصقليين والنابوليتانيين (أي أهل مملكة نابولي).
وحاول كارلوس التصدي لبربروسا مرات عدّة فبعث عام 1530 أمير البحر أندريا دوريا على رأس اسطول لمهاجمة القواعد الجزائرية لكن دوريا لم يشتبك مع خصمه الذي كان دعم وضعه بمد سلطانه على تونس. وفي حزيران (يونيو) عام 1535 استقدم كارلوس المرتزقة الألمان وجنوداً من إيطاليا ومالطة (فتحها الأغالبة عام 869م ٥٥٢ هـ) وقاد اسطولاً ضخماً تغلب على أسطول بربروسا بعد معركة عنيفة. لكن بربروسا تفادى الأسر وعاد إلى الجزائر حيث استأنف هجماته على الفور تقريباً. وفي عام 1541 بعث كارلوس اسطولاً ضخماً لمهاجمة الجزائر لكن الحملة انتهت إلى إخفاق ذريع. وشهدت السنوات التالية صراعاً هائلاً في البحر الأبيض المتوسط حاولت فيه الأساطيل الإسلامية انطلاقاً من الجزائر وتونس وطرابلس الغرب والمغرب الأقصى احتلال عدد من المدن الواقعة تحت سيطرة كارلوس الخامس كما حدث عام 1551 بالنسبة لمالطة الحصينة عندما تبادلت المدفعية الثقيلة للطرفين التراشق برؤوس الأسرى المقتولين.
وخلال هذه المرحلة كان الأندلسيون يدفعون ثمن نجاح الهجمات على الأساطيل الأسبانية والأرغونية والإيطالية تارة، ويدفعون ثمن تقدم حركة الإصلاح الديني في أوروبة تارة أخرى. وفي جو هذا الصراع الدولي والديني الواسع الذي كان كارلوس الخامس مركزه الأول، لم تعد الضرائب التي يدفعها الأندلسيون مجدية ومثلها الرشوة أو إظهار الولاء والتصرف كقشتاليين طيبين. وكانت حروب كارلوس عالية التكاليف، وكانت الكنيسة القشتالية في حاجة إلى مصادر تمويل للإنفاق على عمّالها ومبانيها فبدأت في الأربعينات والخمسينات من القرن السادس عشر عمليات واسعة النطاق لمصادرة أملاك الأندلسيين بدعوى انها الطريق الوحيد لتصالح الأندلسيين مع الكنيسة حتى باتت أكبر مالك للأراضي في إسبانيا.
ولم يشفع للأندلسيين البلنسيين تأييدهم كارلوس ووجدوا أنفسهم يعانون مثل اخوانهم في غرناطة. فبعدما استقرت الأوضاع في بلنسية قدّم الأندلسيون هناك طلباً إلى الكنيسة لاعتبار تنصيّرهم الإجباري مخالفة للقوانين والأعراف المعهودة في أرغون وبالتالي باطلاً من أساسه فتشكّلت لجنة كنسية بحثت في الطلب وانتهت إلى أن ثورة المدن في بلنسية باطلة فعلاً لكن التنصير مقبول ولا يمكن الغاؤه تحت أي ظروف.
وهكذا بدأت أحوال الأندلسيين تتغير بسرعة في النصف الثاني من حكم كارلوس الخامس، إلا أن الاضطهاد الحقيقي كان ينتظرهم في عهد خليفته فيليب الثاني الذي ينتمي في تعصّبه وتشدده إلى إيزابيلا أكثر من انتمائه إلى ابيه، ويرتبط تصرفاً ونظرة بالمدرسة القشتالية التي خرّجت توركيماده وخيمينس ودييغو دي اسبينـوزا ومانريك. وعانى الأندلسيون تحت حكم إيزابيلا من أوضاع شبيهة بالأوضاع التي بدأوا يعانون منها تحت حكم فيليب الثاني وكان احتكامهم مُجبرين في المرة الأولى إلى الثورة، وإلى الثورة احتكموا مُجبرين مرة أخرى.
اسباب اندلاع الثورة الأندلسية الكبرى قاد كارلوس الخامس حروباً دولية ضد العثمانيين والفرنسيين والبروتستانت لكنه لم يتمكن من قهر أي من أعدائه الثلاثة فهرب من جبال المشاكل التي واجهته إلى هدوء دير يوست حيث تصومع ومات بعد سنتين من تنازله عن العرش لابنه فيليب عام 1556. ويقول من درس سيرة فيليب الثاني انه كان ذكياً ونشيطاً لكنّه لم يكن قادراً على التمييز بين الغث والسمين. وكان فيليب يصرف وقتاً طويلاً قبل اتخاذ قرار ما وعندما يتخذه لا يتابع تنفيذه حتى النهاية. وربما تعامل ببرود شديد مع قضايا ساخنة تستوجب حلاً سريعاً، وربما اهتم بقضايا هادئة فأجّج لهيبها كما حدث مع الأندلسيين في الجنوب عام 1568. ولكاتب سيرة فيليب المؤرخ كبريرة القرطبي قول مشهور في فيليب هو أن ابتسامة الملك وخنجره قريبان جداً من بعضهما. إلا أن قلة رأت تلك الابتسامة لأنّ هذا الأمبراطور أمضى القسم الأخير من حياته يعيش حالاً قريبة من التنسّك والرهبنة في إحدى غرف قصره الهائل في الاسكوريال. وكان فيليب صاحب ممالك دوليّة عدّة لكنه لم يترك قشتالة يوماً واحداً، وكان قشتالياً وكاثوليكياً حتى العظم فأنفق أمواله وأموال قشتالة وذهب وفضة مستعمراتها في العالم الجديد على مقارعة أعدائه الثلاثة: البروتستانتية والإسلام وفرنسا، لكنه مات وكلٌ من الإسلام والبروتستانتية وفرنسا أقوى مما كانوا عليه في أي يوم من أيام حياته.
وبدأ فيليب حكمه معلناً الحرب على البروتستانت في كل مكان، عازماً على اجتثاثهم من أصولهم وتطهير الدنيا منهم وإذ بعمال محاكم التحقيق يكتشفون خليتين للبروتستانت في بلد الوليد واشبيلية ضمّت الثانية منهما أحد الأندلسيين. وكان رد فيليب سريعاً فحضر بشخصه الاحتفال بإحراق »الهراطقة« البروتستانت، وأطلق يد تلك المحاكم لتقفي كل معلومة أو إشاعة عن أي نشاط بروتستانتي في أي مكان من قشتالة. وكان ترويج الإشاعات عن اختراق البروتستانت قشتالة ذريعة لخنق أي معارضة أو انتقاد أو احتجاج، إذ لم تعتقل المحاكم في قشتالة وأرغون أكثر من 300 ”مهرطق إصلاحي“ في كل سنوات حكم فيليب الثاني. أما الحرب الحقيقية ضد الإصلاحيين فكانت تدور طاحنة دامية في هولندا حيث أحرق عمال محاكم التحقيق الآلاف. وكانت الحرب تلك شاملة لا تنازل فيها ولا هوادة، ولم يكن فيليب الثاني يأتمن الكاثوليكية حتى على البابا كما اتضح عندما سيّر القائد العسكري دوق ألبة إلى الفاتيكان على رأس جيش من 12.000 جندي فأخضعه. وحين تحركت فرنسا للدفاع عن البابا بيوس الرابع كان الوقت فات، ولم يتمكن قائد الجيش الفرنسي دوق غيز من إحراز أي تقدم في هجومه على نابولي فقال قولته الشهيرة: ”لا بد أن الرب أخذ الجنسية الأسبانية.“
وبينما كانت البروتستانتية تكتسب مؤيدين جدداً بفعل اضطهاد عمّال فيليب الثاني لهم، كان العثمانيون يتقدمون في البحر الأبيض المتوسط ويقدمون المساعدات التي حققت للمتحالفين العرب معهم انتصارات مهمة إنطلاقاً من المواقع البحرية في الساحل المغاربي. وفي عام 1560حاولت أساطيل إسبانيا وإيطاليا احتلال جزيرة جربة التونسية بغية استخدامها قاعدة للانقضاض على طرابلس. ولم تخفق هذه المحاولة فقط بل شجعت الأتراك على تشديد الضغط على السواحل الأسبانية واقترب اسطولهم من جزيرة ميورقة عام 1561 مما دفع فيليب الثاني إلى التفكير في إجلاء سكانها. وفي ظل هذه المخاوف التي سيطرت على فيليب الثاني بدأت إثارة مسألة الأندلسيين في كل من غرناطة وبلنسية. وفي حين اعتبرهم بعض مستشاري فيليب الثاني حلفاء طبيعيين للعثمانيين المسلمين مثلهم، أو طابوراً خامساً على الأقل، مما يستوجب الحذر منهم والوقوف معهم موقفاً حازماً، رأى آخرون أن استعداءهم يمكن أن يؤدي إلى مشاكل لا ضرورة لها، لذا أشاروا بأهمية كسب الأندلسيين إلى جانب إسبانيا واستمالتهم.
واستمر الجدل في شأن السلوك الأفضل تجاه الأندلسيين في بلاط فيليب الثاني في الوقت الذي ساد في مملكة غرناطة نفسها جدل آخر أدى إلى زيادة الوضع المعقد أصلاً في غرناطة تعقيداً. ولهذا التعقيد أسباب عدّة أهمها الصراع على السلطة في المملكة ومحاولة كل جهة متنفذة هناك إعلاء مصالحها على الجهة الأخرى خصوصاً ما اتصل من تلك المصالح بالأراضي الأندلسية والتجارة والضرائب. وفي مملكة غرناطة كان الحاكم العسكري على خلاف مع محكمة التحقيق وكانت محكمة التحقيق على خلاف مع المجلس البلدي وكان المجلس البلدي ضد رئيس الأساقفة، وكانت المحكمة العليا تخالف الجميع لأنها تعتقد أن رأيها أصوب الآراء. وتفاقم الصراع بين هذه الأطراف كافة واستاء الغرناطيون فاستنجدوا بفيليب الثاني. وانتظر فيليب طويلاً قبل أن يقرر تحرّي الوضع. ولما أرسل في نهاية التفكير مبعوثاً خاصاً لحل الخلافات بين القوى المتناحرة في غرناطة على الأراضي اشتبك المبعوث مع الجميع وبدا أن تدخلاً شخصياً من جانب فيليب الثاني هو الكفيل فقط بوضع حل لكل تلك المشاكل.
وما هي طبيعة هذه المشاكل؟
يُظهر استعراض الوضع في مملكة غرناطة مطلع عام 1569 أن مراكز القوى الأساسية لم تتغير في صورة جذرية خلال أكثر من 70 سنة. وجاء على رأس أهم المناصب في المملكة الحاكم العسكري الذي ظل محصوراً بأسرة مندوزا المتنفّذة منذ أيام تندله. وحمل خلفه في المنصب لقباً إضافياً هو مركيز مندخار، فيما عُرف الحاكم العام الذي تسلّم منصبه عام 1543 بلقبين هما مركيز مندخار والكونت تندله الرابع إلا أن اسمه الحقيقي هو إيناغو لويس دي مندوزا. وكان الحاكم العسكري أكثر ارتباطاً بالأندلسيين من غيره لأن احدى مهامه كانت تحصيل الضرائب منهم، وكان وجود علاقة عمل جيدة معهم مهمة أساسية بالنسبة له لتسهيل استضافة الجنود في بيوت الأندلسيين خلال أيام السلم لخفض نفقات إعالتهم. وقدم الحاكم العسكري للأندلسيين في مقابل هذا التعاون دعماً محدوداً وشيئاً من الحماية والتوسّط لدى محكمة التحقيق في غرناطة. إلا أن ارتباط مصالح الحاكم العسكري والأندلسيين سبّب ارتباكاً في وضع الأندلسيين فكان يتحسن أو يتردّى بتحسن أو تردّي نفوذ الحاكم العسكري لدى البلاط الملكي. وتمتع الحاكم العسكري في غرناطة بنفوذ قوي حتى نهاية النصف الأول من القرن السادس عشر، إلا أن أسرة متنفذة أخرى هي اسرة فخاردو بدأت تنافس اسرة مندوزا بعد تلك الفترة. وفي السنوات التي سبقت قيام الثورة الأندلسية الكبرى أثارت ثروة مركيز مندخار الحسد فكثر الخصوم والأعداء وتحسّنت شعبية منافسه مركيز بلش مالقة الثاني، وسارت الاسرتان القويتان في طريق الصدام. وحدث عام 1565 أن اعتقلت السلطات ثلاثة أندلسيين ادعت بعد تعذيبهم أنهم اعترفوا بوجود خطة لاستقدام الأتراك إلى قشتالة فاتهم مركيز مندخار بالتقاعس عن أداء واجبه وبدأ الجنود يتعاملون بريبة وخوف مع مستضيفيهم.
أما المركز المهم الثاني فهو منصب رئيس أساقفة مملكة غرناطة الذي سمَته إيزابيلا لطلبيره قبل أن تبعث إلى غرناطة بخيمينس الذي جمّد صلاحيات طلبيره وبدأ محاولة تنصير الأندلسيين التي أدت إلى اندلاع الثورة الأولى. وفي عام 1546 تسلم بدرو غيريرو منصب رئيس أساقفة غرناطة وحاول هو الآخر، كما فعل طلبيره من قبله، اتباع سياسة معقولة مع الاندلسيين لكسبهم إلى جانب الكنيسة وأوصى الكنسيين الآخرين بسلوك النهج نفسه لكن جهوده ذهبت أدراج رياح التعصّب. وحدث عام 1565 أن رافق غيريرو إلى الاجتماع الكنسي البابوي الذي عُقد في ترنت (بإيطاليا) دييغو دي اسبينـوزا رئيس مجلس قشتالة المحقق العام السابق لمحاكم التحقيق. وهناك سمع الإثنان انتقاداً شديد اللهجة من البابا بيوس الخامس (1504-1572) لمبدأ ”التسامح“ الذي تنتهجه الكنيسة القشتالية في مملكة غرناطة وحضهما على تغيير تلك السياسة على الفور.
ولم يكن بيوس الخامس من الباباوات العاديين إذ اشتهر بتزمته وعصبيته الكاثوليكية القوية، وسعى إلى فرض معايير ورع صارمة على رجال الكنيسة وعلى الكاثوليكيين في كل مكان. وفي عهد هذا البابا كان زمن المصالحة المسيحية ولّى لذا كان من أشد المعادين للحركة البروتستانتية ومن أشد المتحمسين لجهد مسيحي يتصدى للإسلام. وسيلعب بيوس دوراً حاسماً في تشكيل حلف بين البندقية وإسبانيا لشن حملة بحرية حاسمة ضد العثمانيين عام 1571، إلا أن انتقاده الكنيسة القشتالية لتسامحها مع الغرناطيين في ترنت كان انتقاداً غير مباشر للملك فيليب الثاني الذي لم يكد يسمع تقرير دي اسبينوزا حتى أمر بتنصير الأندلسيين بأقصى سرعة ممكنة وإزالة آخر لطخات الهرطقة من قشتالة.وفي السابع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1566 استكملت لجنة مشتركة صياغة بنود مشروع مرسوم آخر ”لإصلاح“ أحوال الأندلسيين صادق عليه فيليب الثاني وصدر مطلع كانون الثاني (يناير) من 1567.
الأسباب الاقتصادية
قام اقتصاد غرناطة على انتاج الحرير وصناعة الملابس الحريرية والزراعة والتجارة بالمواد الغذائية وغيرها والصناعات الخفيفة والخدمات بسائر أنواعها. وحظرت السلطات على الأندلسيين أي وظائف عسكرية وحكومية ومدنية مهمة ارتبط شغلها بامتلاك شهادة تثبت نقاء دم المتقدم اليها من »شوائب« أصحاب الدماء الأخرى مثل المسلمين أو اليهود، والتأكيد بما لا يقبل الشك أنه من النصارى القدماء أو أنه ينحدر منهم مباشرة. ولم تنطبق هذه المواصفات على معظم الأندلسيين إلا من استطاع منهم الحصول على شهادة مزورة، ولهذا اشتغل الأندلسيون بمهن حرة كثيرة في مملكة غرناطة وخارجها بعضها من النوع الذي يمكن تسميته بـ»الوضيع«. لكن هذه المهن كانت تُدّر سيولة دائمة فتراكمت ثروة الأندلسيين الذين اشتهروا بالحرص. وكان من بين الغرناطيين عدد كبير من المزارعين إضافة إلى أعداد من التجّار الصغار والحرفيين والعمال الذين كانوا يشتغلون في مصانع تكرير السكر وصناعة الصابون والورق والتبغ. ويبدو أن أندلسيين كثيرين اشتغلوا في الموانىء في تفريغ البضائع ورفعها إلى السفن ونقل البضائع على البغال والحمير وأعمال أخرى متدنية الأجر. وبرع الغرناطيون في صناعة الأقمشة والملابس الحريرية وتجارتها كما تشهد على ذلك سوق الحرير المشهورة في غرناطة المعروفة باسم ”القيصرية“، ووظفوا في هذه الصناعة القسم الأكبر من ثروتهم، واحتفظوا بالباقي ذهباً أو أحجاراً كريمة لسهولة نقلها وإخفائها. وربما وجد الباحث بين الأندلسيين عدداً من الأثرياء لكن غالبيتهم كانت تعيش على مستوى متدن من الدخل، وكان الأندلسيون معروفين بجدّهم ونشاطهم ومهارتهم لذا لم يفتقروا في معظم الحالات إلى عمل يقومون به.
وتواترت الضغوط السياسية والدينية في مملكة غرناطة في وقت عانى فيه الاقتصاد الغرناطي من صعوبات جمّة نتيجة قرارات حكومية سابقة. إذ قررت قشتالة منع تصدير الحرير المصنوع في غرناطة إلى العالم الجديد لدعم هذه الصناعة في مناطق قشتالية أخرى فضرب الكساد الحاد هذه الصناعة. ثم عادت الحكومة عام 1562 وفرضت ضرائب عالية على صناعة الحرير لتعزيز دخل الدولة بهدف تمويل الحروب فتضرر المنتجون كافة لكن الغرناطيين كانوا أكبر المتضررين. ولم يستطع القطاع الزراعي في الاقتصاد الغرناطي تعويض العجز الذي سببه تضرر صناعة الحرير نتيجة ارتفاع حاد في حالات مصادرة الأراضي الأندلسية بعد اتهام أصحابها بالهرطقة. وفاقم هذا الوضع شروع السلطات الحكومية في عملية واسعة هدفها إعادة جرد الأراضي الميرية التي ادعى العرش ملكيتها في غرناطة ومصادرة أراض أندلسية زعمت أنها ملك الأمبراطور وصلت مساحتها، حسب بعض التقديرات الحديثة، إلى نحو خمسة آلاف كيلومتر مربع.
وفي تلك الفترة بات معظم الأراضي الأندلسية تابعاً للتاج أو الكنيسة أو محاكم التحقيق أو النبلاء كبارهم وصغارهم، ورافق ذلك استمرار السلطات في فرض ضرائب عالية على الأندلسيين. وخلال هذه الفترة العصيبة كانت السلطات تنتظر استمرار أندلسيي غرناطة في تقديم الدفعات التي اتفقوا على تسديدها لكارلوس الخامس أولاً ثم لفيليب الثاني حتى زاد مجموع ما قدموه بين 1518 و1568 على نحو ١٢٦ مليون مرابطي، أي أكثر من ثلاثة أرباع تكاليف الحرب ضد مملكة غرناطة آخر القرن الخامس عشر. ومع استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية لم تعد الأسر الغرناطية قادرة على تقديم الخدمات التي اعتاد عليها الجنود النازلون في ضيافتها فساد التذمر وعم الاستياء من الجهتين. ووجد عدد كبير من الغرناطيين قبيل اندلاع الثورة أنه لم يعد قادراً على تسديد الضرائب الحكومية التي بدأت تزداد بسرعة في ذلك الوقت، ولم يعد حتى راغباً في العمل الذي لم يعد يستفيد شخصياً من معظم الدخل المتأتي منه.
الأسباب الأجتماعية
عاش الأندلسيون منذ تسليم غرناطة غرباءً في وطنهم وتعاملت معهم السلطات كأقلية مشبوهة التصرفات والدوافع ونظرت إليهم الكنيسة كأعداء للكاثوليكية واعتبرت عاداتهم الطبيعية خارجة عن نطاق المألوف ولغتهم العربية لغة نجاسة وامتناعهم عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر من مظاهر العداء للكاثوليكية. وتقود مئات الحالات الموثقة إلى الاستنتاج بأن الأندلسيين كانوا مضطهدين ومراقبين ومشبوهين في كل مكان عاشوا فيه، إلا أن درجة اضطهادهم كانت تتفاوت من غرناطة الى قشتالة الى بلنسية.وكان ارتفاع حدّة هذا الاضطهاد وانحساره يرتبطان بعدد من العوامل المحلية والدولية والاجتماعية والدينية التي واجهت قشتالة خلال القرنين اللذين سبقا نفي الأندلسيين مطلع القرن السابع عشر. وكانت إيزابيلا وحفيد حفيدها فيليب الثاني من بعدها رأس حربة اضطهاد الأندلسيين ممثلة بمعظم هياكل السلطة. وفي الحالات التي خفّت فيها حدّة هذا الاضطهاد لقاء ”تقدمات مالية“ أو ضرائب إضافية نرى الكنيسة القشتالية تتقدم بسرعة لتأجيجه فينساق وراءها جمهور قشتالة المشتكي دائماً من أن الأندلسيين ”مكثرون في الإنجاب والعمل؛ مقلون في الإنفاق“. وحتى عندما كانت الكنيسة القشتالية تنشغل بهمومها ومتاعبها الداخلية وتبدأ قبضة رجالها بالتراخي نسبياً، نجد البابوية تتدخل لتتهم الكنيسة القشتالية بالتقاعس عن أداء واجبها الكاثوليكي وتحضها على تجديد الحملة على الأندلسيين.
وهكذا كان استمتاع الأندلسيين بأي قسط من الهدوء النسبي يتطلب وجود الهدوء على الجبهات السلطوية والكنسية والبابوية الثلاث، لكن القرن السادس عشر كان عاصفاً فلم يعرف الهدوء إلا في حالات معينة فقط. وحتى في هذه الحالات المعينة ربما أضافت أسباب اخرى نفسها إلى القائمة الثلاثية. فإذا انشغل الملوك بإشعال الحروب في أوروبة، وانشغلت محاكم التحقيق بملاحقة البروتستانت، وانشغل البابوات بجمع الكتب واقتناء الأثريات وملاحقة أمور الدنيا نجد دائماً أسباباً اقتصادية جلبت الاضطهاد إلى الأندلسيين، لذا لم يكن القشتالي العادي متأكداً دائماً كيف يستطيع أن يضيف أي قسط من الطبيعية إلى تعامله مع الأندلسيين العرب المسلمين وهو لا يزال يشتري صكوك الغفران التي استمرت الحكومة في تسويقها بموافقة البابا لتمويل الحملات ضد الإسلام فإذا بندها في الموازنة الحربيّة الصليبية يخضع إلى مناقلة مفاجئة فتنتهي مخصصاتها إلى تمويل الحروب ضد فرنسا والبروتستانت بدلاً من المغاربيين والمصريين والفلسطينيين.
ونجد في قشتالة سياسة رسمّية وكنسية منتظمة تقوم على استمرار ضمان تردي العلاقات بين الأندلسيين والقشتاليين وتنفير الجانبين من بعضهما باستخدام تشكيلة متنوعة من المخاوف الدينية والعسكرية والاجتماعية. ومرّت أوقات شيّد خلالها الفريقان القشتالي والأندلسي حواجز في الأحياء المشتركة التي كانا يعيشان فيها فصلت بينهما وبين تباينهما فتأتي السلطات وتزيل تلك الحواجز كي يبقى الاحتكاك مستمراً وبالتالي التنافر. وكانت السلطة والكنيسة تفرضان في حالات كثيرة أن يعيش الأندلسيون بين المسيحيين القدامى، لذا نجد الأندلسيين في حال تنقل شبه مستمر. وكان إصرار السلطة والكنيسة على استبقاء عناصر التنفير حيّة يتجلّى في حالات كثيرة فلم يكن يكفي مثلاً توقيع عقوبة السجن بالمذنب الأندلسي أو مصادرة أملاكه، بل كانت السلطات المدنية والكنسية تجبره على ارتداء ملابس أو قبعات بعلامات مميزة معينة كي يعرفه الجميع ويحذروا منه ويتابعوا اضطهاده.
أما بعض العقوبات الأخرى فكان نفسانياً وعلى مدى طويل ومن ذلك اقتضاء بعض العقوبات على النساء منعهن من ممارسة انوثتهن بحرمانهن من التجمّل بالذهب أو الفضة أو الأحجار الكريمة أو حتى ارتداء الملابس الحرير والأقمشة الناعمة. وانتج المجتمع القشتالي المُسمم الآراء والمعتقدات المُسممة مثله فبدا معظم ما يمكن أن يفعله الأندلسي مشبوهاً، وصار همسه صلاة محتملة وتمتمته تعرّضاً للكاثوليكية ووقوفه مع أبناء جلدته مؤامرة يجب الحذر منها. وهبط بعض التأويلات إلى مستوى الهذر فمثلاً تعوّد الأندلسيون تناول الخضر والفاكهة بحكم العادة والطبيعة فيما أقبل القشتاليون على اللحم المقدد. وكان تباين المأكول أحد أسباب عافية الأندلسيين، لكن طلع من القشتاليين من يدعي أن الأندلسيين يمارسون السحر والشعوذة لإطالة أعمارهم.
ويجب دائماً تفادي إطلاق الإتهامات الشاملة التعميم فمن بين الإسبان والإسبانيات من أحبّ الأندلسيين وحماهم وتعاطف معهم وأخفاهم في بيته وتستّر على ممارساتهم بالكذب على السلطات الحكومية والكنسية وحتى على عمّال محاكم التحقيق، لكن يجب ألا تخفي هذه الاستثناءات قاعدة واسعة جداً ضمّت القسم الأعظم من الإسبان. ويمكن في حالات معينة فهم سبب مخاوف القشتاليين العميقة لأن الصراع مع الأندلسيين لم يكن فقط صراعاً دينياً وحضارياً بل أيضاً صراعاً على الأرض مردّه الخوف من أن يتمكن الأندلسيون يوماً من استرداد الأرض التي انتزعها الإسبان منهم. ومن السهل بعد أخذ كل هذه العوامل في الاعتبار معرفة السبب الذي حوّل الإسبان إلى أكبر جهاز مخابرات في العالم آنذاك فكان معظمهم عيون وآذان السلطة ومحاكم التحقيق. وشجع حماس عمّال المؤسستين لملاحقة أتفه الاتهامات جمهوراً واسعاً من الإسبان على التمادي في الوشاية فصار تناول وجبة الكسكسي المغربيّة مظهراً عروبياً يستأهل التحقيق، ومثله الجلوس على الأرض والنوم على المرتبات بدلاً من الأسرّة، والاغتسال وعشرات العادات الطبيعية الأخرى. وفي هذا الجو المشحون بالتجسس والنميمة والترصّد والتسابق على الوشاية، بات ممكناً اتهام الزوجة القشتالية زوجها الأندلسي بمعاداة الكاثوليكية إن نفر من فراشها، واتهام القشتالي جاره الأندلسي بالعداء للدولة إن اشتكى من الضجيج، واتهام رب العمل عامله الأندلسي بالتوجه إلى الصلاة إن غاب يوم الجمعة، واتهام الأندلسي بمعاداة الملك إن اشتكى من ارتفاع الضرائب.
ونجد عدداً كبيراً من الحالات التي تقصّد فيها القشتاليون الإيقاع بالأندلسيين فربما لا يدعو القشتالي جاره الأندلسي إلى بيته لتناول الطعام طول السنة لكن ما أن يحل شهر رمضان حتى تنهمر على الأندلسي الدعوة تلو الأخرى من جار تلو الآخر، وكان يكفي ان يعتذر الأندلسي عن تناول الطعام مرتين أو ثلاثاً لاتهامه بأداء فريضة الصوم وسوقه إلى محاكم التحقيق. وخارج رمضان كان قشتاليون كثيرون يتعمّدون عرض الخمر على الأندلسيين أو تقديم لحم الخنزير أو الطعام المطبوخ بهذا اللحم. وكان الاعتذار عن شرب الخمر أو أكل لحم الخنزير سبباً لاتهام الأندلسيين بنبذ الكاثوليكية والتزام الإسلام. وتوجد حالات كثيرة سعى فيها القشتاليون إلى إثارة الأندلسيين لدفعهم إلى التعبير عن مكنونات صدورهم في لحظات غضبهم والوشاية بهم إلى السلطة أو إلى عمّال محاكم التحقيق. إلا أن هناك استغلالاً واضحاً حتى لحالات إنسانية بحتة فيكفي اتهام الأندلسي بالهرطقة إن نطق فجأة بكلمة ”الله!“ إن رأى شخصاً يقع أمامه. وفي الامكان تصوّر حالات كثيرة من الوشاية الافترائية التي كان غرضها الأساسي الغيرة والحقد ومحاولة السطو على أملاك الأندلسيين أو استضعاف زوجاتهم أو بناتهم.
وربما أعطى ما تقدم الانطباع بأن الهوة التي فصلت معظم الأندلسيين عن معظم القشاتلة كان أساسها الدين، غير أن الوقائع تثبت أن الدين كان مظهراً واحداً. فحتى لو أصبح الأندلسي كاثوليكياً صالحاً كان من السهل اللجوء إلى الاختلاف العرقي، لذا لم يكن هناك فرق هائل لدى القشاتلة في تعيير الأندلسي بأنه مسلم أو عربي. وكانت الصفتان مشتركتين تكمّل احداها الأخرى ويمكن بسهولة ومن دون وعي أحياناً استخدامهما كمفردتين في قاموس ادانة الأندلسيين الواحد. ونجد في بعض وثائق محاكم التحقيق عدداً من الأمثلة على ذلك فها هي إيزابيلا الأمَة الأندلسية القاطنة في مدريد لم تستطع ضبط أعصابها والسيطرة على غضبها عندما شتمها أحد الإسبان بالقول: أنت كلبة العرب فردت عليه: ”نعم! أنا عربية؛ وأبي وأمي كانا عربيين، وأنا عربية وسأموت عربية“. وفي مثال آخر يتعرض أهل قرية تيناخاس من أعمال مدينة قونقة لصبي أندلسي فيعيرونه بوصف ”العربي“ فتتأثر أمّه وتصيح غاضبة وهي تمسك بيده: ”العربي أفضل من المسي“ي« فإذا بها تُرمى في السجن وتكبل قدماها بالحديد وتُصادر كل أملاكها. أما الذي كان يثير بعض القشتاليين أكثر من أي شيء آخر فهو حب الأندلسيين للمرح على رغم كل الضغوط. وحتى في الحالات التي وصل فيها التقييد والحصار إلى الأوج كان الأندلسيون ينظمون حفلات الرقص والغناء والطرب، ويتابعون الحياة في الصورة التي يقدرون عليها. إلا أن أحوال الأندلسيين تردت فجأة وبسرعة في الفترة التي سبقت انفجار الأزمة ووجدوا أمامهم مرسوماً جديداً قيدهم من لحظة الولادة إلى لحظة الموت، ووضعهم تحت المراقبة في الطريق والعمل والبيت، ولم يعد في استطاعتهم حتى إغلاق أبواب بيوتهم إذ كان من حق أي قشتالي الوقوف بالباب ومراقبة ما يفعله أهل الدار. وبعد تخريب العلاقات بين الأندلسيين والقشتاليين جاء دور تخريب العلاقات بين الأندلسيين انفسهم فساد تشجيع الأولاد والبنات على الوشاية بآبائهم، والاخوة بالأخوات، والجار بجاره وبدت قدرة السلطة والكنيسة على الضغط على الأندلسيين بلا نهاية أو حدود أو أخلاق أو رحمة.
الأندلسيون والكنيسة
انتظرت الكنيسة القشتالية تحوّل الأندلسيين إلى كاثوليك عن اقتناع ورضى وطيب خاطر، ثم غيّرت سياستها فرغّبت بالمال والهدايا والوعود ثم رهّبت بمصادرة الأرض والحرية والسجن والحرق من خلال محاكم التحقيق. وكانت الكنيسة القشتالية على رأس المنادين بتنصير الأندلسيين إلا أنها لم توفر الامكانات التي يمكن ان تساعد على تحقيق هذا الهدف. وحاول بعض الكنسيين (طلبيره مثلاً) ترجمة الإنجيل فعارضه رئيس أساقفة طليطلة. وكانت المواجهة الجدلية الكاثوليكية مع الأندلسيين تتطلب كنسيين مقنعين أول مواصفاتهم التمكّن من العربية (لغة من تريد تنصيرهم) إلا أنها لم تستطع تأمين ذلك وظلت غرناطة بلا رئيس للأساقفة سنوات طويلة، ولم تكن المواجهة الجدلية مجدية أو حتى ممكنة فيما المخطط القشتالي الخاص بالأندلسيين مخطط استئصالي.
وفي التاريخ الإنساني أمثلة كثيرة تثبت أن الاضطهاد الديني لم يقف في وجه انتشار دين المضطهدين بل ساهم في حالات كثيرة في تعزيزه في نفوس أصحابه وتعميمه على الآخرين. لذا يمكن التساؤل لماذا لم يتذكر خيمينس ورهطه، بل الكنيسة القشتالية كلّها، أن اضطهاد الرومان المسيحيين الأوائل كان بداية الطريق إلى نصرنة الأمبراطورية الرومانية؟. ولا نجد في تاريخ مساعي النصرنة القشتالية اجابة فربما لم تكن معرفة أبسط أحداث تاريخ النصرانية شرطاً مُسبقاً لشغل منصب مثل رئيس أساقفة طليطلة. ولا شك في أن نجاح الأندلسيين في بناء شبكة سرية هائلة عملت على تعزيز الشعور الديني الإسلامي وتبادل المعلومات والكتب الدينية، وحتى أسلمة بعض القشتاليين أو إعادة بعض الأندلسين المتنصرين إلى الإسلام، أفشل المساعي القشتالية المضادة. ولا شك في أن تمسك الأندلسيين بدينهم واستعدادهم في معظم الحالات للموت في سبيل معتقداتهم هو الذي وقف أمام محاولات التنصير القشتالية الجماعية. إلا أن الأندلسيين ربما كانوا محظوظين لأن سعاة تنصيرهم في قشتالة كانوا على شاكلة خيمينس الذي جاء غرناطة وأهلها يصلّون ويصومون ويعتزّون بعروبتهم، وغادرها وهم لا يزالون يصلّون ويصومون ويعتزّون بعروبتهم، وسنجدهم يصلون ويصومون ويعتزون بعروبتهم علناً يوم جمعتهم السلطات القشتالية لنفيهم بعد مئة وسبع سنوات من صدور مرسوم تنصير الأندلسيين الأول.
وما الذي جاء في مرسوم عام 1567 ولم يأت به مرسوم 1502؟
اختلف مرسوم الأول من كانون الثاني (يناير) عام 1567عن كل المراسيم السابقة لسببين: الأول أنه كان مرسوماً شريراً، والثاني إصرار فيليب الثاني على تطبيقه بحذافيره مهما كانت النتيجة. ومنع هذا القانون استخدام اللغة العربية منعاً باتاً، مثل سابقيه، لكنه فرض على الأندلسيين إتقان التحدث بالقشتالية خلال ثلاث سنوات. ومنع هذا المرسوم الوضوء، مثل سابقيه، لكن الأندلسيين كانوا يستعيضون عن الوضوء بالتحمم فجاء المرسوم الجديد ومنع الأندلسيين من دخول الحمامات. وتدرج المرسوم في محظوراته من المهد إلى اللحد فنص على وجوب إتمام كل مراسم الزواج والولادة والموت وفق طقوس الكاثوليكية من ساعة سريان المرسوم، وحظر الختان حظراً تاماً لأي سبب. وبعدما ضمن الزام الأحياء بنصوص الرسوم، انتقل إلى الأموات فكان يتعين على الأندلسيين أن يدفنوا موتاهم في نعوش مغلقة وفق طقوس قشتالة. وفرض حضور قابلة قشتالية مسيحية ولادة أطفال الأندلسيين، ووجوب إبقاء الأبواب مفتوحة. كما حظر ارتداء الملابس التقليدية والوقوف في اتجاه القبلة والزواج من أكثر من امرأة واحدة واستخدام الحناء. وحرم هذا المرسوم الأندلسيين من حق اللجوء إلى الكنائس طلباً للأمان فخرجت الكنيسة بذلك عن تقليد تمتعت به كنائس أوروبة منذ قيامها.
وفيما بدأ الأندلسيون المفاوضات مع السلطة لإعادة النظر في المرسوم، استمر معظمهم في تجاهله وتابعوا حياتهم كما تعودوا فإذا احتفلوا بقران في الكنيسة كانوا يعودون إلى بيوتهم ويتابعون احتفالهم على طريقتهم. وإذا عمّدوا طفلاً عادوا إلى البيت وغسلوا رأسه وسبّعوا. وإذا حان أجل أحدهم كانوا يخفون الأمر عن الكنيسة ويصلّون عليه بعد موته ثم يذهبون إلى الكنيسة ويقولون ان قريبهم مات على حين غفلة ولم يتمكنوا من استدعاء القسيس في الوقت المناسب. وتراكمت لدى السلطة تقارير عن هذه المخالفات فأوقفت المفاوضات مع الأندلسيين، ثم صدر الأمر بتعيين بدرو دي ديثا Pedro de Deza رئيساً للمحكمة العليا في غرناطة ودخل الطرفان مرحلة صدام تصاعدت حدته بسرعة عندما انقلب رئيس أساقفة غرناطة غيريرو من تبنّي سياسة الإقناع إلى الإكراه. ورافق هذه التحولات ازدياد سريع في مصادرات أراضي الغرناطيين لأسباب شتّى حتى انحصرت بسفوح جبال البشرات وجبال الجنوب الأخرى يزرعون في تلك المساحات الصغيرة ما يسد حاجتهم من الغذاء الضروري وما يوفر لهم بعض الإنتاج الإضافي الذي كان يُباع في القرى والمدن المجاورة.5 لكن وضع أهل مدينة غرناطة كان سيئاً للغاية مع استمرار تدهور صناعة الحرير وارتفاع الضرائب المفروض عليه فكسد البيع في القيصرية6 وضاق العيش.
وبذل مركيز مندخار جهداً اخيراً عندما رفع إلى فيليب الثاني يرجوه تأجيل تنفيذ المرسوم فترة لكن حظه لم يكن أفضل من حظ بعض مستشاري الملك الذين سبق أن تقدموا باقتراح مشابه. وهنا توجه وفد أندلسي إلى بلاط فيليب الثاني لاستعطافه فصرفه فعاد إلى غرناطة يجر أذيال الخيبة التي تحوّلت بسرعة إلى يأس ونقمة. ”لو توافرت حكومة حكيمة وصادقة تحترم التعهدات التي أعطيت لدى تسليم غرناطة لتجنبت مخاطر هذه النقمة الخفيّة لكن حكام أسبانيا لم يتصفوا بالحكمة ولا بالصدق في تعاملهم مع الموريسكيين، بل أصبحوا أكثر قسوة وخداعاً مع مرور الوقت… لكن تجريد شعب بالجملة من مقوماته فاق الحد الذي يمكن أن يقبل به أي شعب، ناهيك عن شعب انحدر من أمثال المنصور وعبدالرحمن وابن السراج. وذات يوم نشب شجار بين الأندلسيين وبعض جباة الضرائب المحتالين فالتهبت المواد الهشة التي كانت مستعدة للاشتعال منذ زمن طويل، وقام بعض الفلاحين على الجنود المستضافين في مساكنهم فقتلوهم، و وجمع صبّاغ من غرناطة يدعى فراس بن فراس Farax Aben Farax عصبة من الناقمين وفر إلى الجبال،“ والتحق بزعيم الثورة ابن أميّة.
نشوب الثورة الأندلسية الكبرى
في الخامس عشر من نيسان (أبريل) عام 1568 بدأت اضطرابات محدودة في جبل البشرات تمكن جنود مركيز مندخار (الحاكم العسكري) من انهائها بسرعة. ومكّن الهدوء النسبي الذي لحق ذلك بدء انتقال أعداد من شبان مدينة غرناطة الى الجبال سراً للتدرّب على استخدام السلاح. وفي الثالث والعشرين من كانون الاول اعتقد الثوار ان عددهم كان كافياً للقيام بالخطوة التالية فشنوا هجوماً مباغتاً على مدينة غرناطة فيما كانت حاميتها تستعد للاحتفال بعيد الميلاد. وتمكن الثوار بقيادة فراس بن فراس من التوغل في المدينة والاشتباك مع جنود مركيز مندخار إلا أنهم لم يتمكنوا من أخذ المدينة فانسحبوا وعادوا إلى البشرات بعد ايقاع خسائر كبيرة بجنود الحامية، وبدأوا إزالة كل أشكال السلطة والكنيسة القشتالية في المراكز المحررة. وحيال هذا التطور أصدر فيليب الثاني أوامره الى مركيز مندخار بإخماد ثورة البشرات فقاد جيشاً من حوالي أربعة آلاف جندي إلى الجبال إلا أنه لم يشتبك معهم وبدأ بدلاً من ذلك مفاوضات لوقف الثورة آخذاً على عاتقه محاولة إقناع الملك فيليب الثاني برفع الضغوط عن الأندلسيين.
وأوقف الأندلسيون العمليات العسكرية فيما بدأ المركيز اتصالاته لاقناع الملك باعطاء الثوار فرصة إلا أن فيليب رفض الفكرة وأمر المركيز بقمع الثورة وضرب زعمائها ليكونوا عبرة لغيرهم ليس فقط في الجنوب وإنما في ممالكه الاخرى قاطبة. وفي هذه الأثناء أقدم بعض جنود المركيز على مذبحة في مدينة جبيل Jubiles راح ضحيتها عدد من الأندلسيين، وتعرضت مدينة لورة Laroles إلى هجمات مماثلة وفقد المركيز السيطرة على جنوده فأخذ هؤلاء يمارسون أعمال القتل بلا حساب فتحرّك الأندلسيون بسرعة وبسطوا سيطرتهم على البشرات. وفي غرناطة نفسها وصلت إلى الحامية إشاعات عن قيام الثوار الأندلسيين بقتل 90 قسيساً و1500 قشتالي فهاجم الجنود سجن البيازين وذبحوا مئة وعشرة أندلسيين كانوا فيه. ”ولما سار مندخار الى السجن مع حراسه لإخماد الاضطراب قابله القائد بقوله: هذا غير ضروري فالسجن هادئ لأن جميع الأندلسيين أموات.“ وأمام انفلات الوضع أقرّ مركيز مندخار بعجزه عن السيطرة على الوضع ووضع نفسه تحت إمرة فيليب الثاني. وكانت نار الثورة بدأت تستعر بسرعة وتنتشر في مناطق جديدة في الجنوب عندما بدأ الملك تدارس الوضع مع مستشاريه العسكريين.
دون خوان النمسوي
جاءت ثورة الأندلسيين في سنة من أسوأ سنوات حكم فيليب الثاني، اذ كانت انتفاضة الهولنديين على أشدها منذ اندلاع الاضطرابات هناك قبل سنتين، وبدأ العثمانيون يحققون الانتصار تلو الآخر في البحر الأبيض المتوسط وراحوا يهددون شواطئ ممالكه هناك. وفي تلك السنة أيضاً اندلعت الثورة في قطالونيا وقطعت أساطيل البروتستانت الطرق البحرية الى خليج بسقاية، ثم فقد فيليب زوجته المفضلة ماري ومات ابنه ووريثه دون كارلوس في السجن الذي أودعه فيه والده بعدما ظهرت عليه علائم الجنون. وخشي فيليب الثاني أن يستفحل خطر الثورة ويستغل العثمانيون استمرارها لمهاجمة صقلية والجزائر الشرقية وربما الجنوب الأندلسي فاختار لمهمة القضاء على الثورة أخاه دون خوان النمسوي الذي كان زنوة والده كارلوس الخامس مع محظيّة هولندية. ولم يكن دون خوان وقتها تجاوز الثانية والعشرين، لذا عيّنه رئيساً للمجلس الحربي لكنه لم يطلق يده في اتخاذ القرارات التي يشاءها، وربط ذلك بموافقة جميع أعضاء المجلس الذي تألف من مركيز مندخار، ودوق سيسه (حفيد غونثالو القرطبي »القبطان العظيم«)، وبدرو دي ديثا رئيس المحكمة العليا المقرّب من الكردينال اسبينوزا رئيس مجلس قشتالة، ثم لويس كيخادا الذي كان مرافقاً خاصاً للملك فيليب الثاني10. وأوصى فيليب الثاني دون خوان بضرورة اتخاذ قرارات المجلس بالإجماع، وإذا لم يتحقق هذا يجب عليه العودة إليه لاتخاذ القرار النهائي.
وغادر دون خوان مدريد في السادس من نيسان (إبريل) عام 1569 وجرى لدى وصوله إلى غرناطة احتفال كبير شارك فيه الأندلسيون. وتجاهل دون خوان مستقبليه الأندلسيين وتوقف في الطريق إلى بعض النساء القشتاليات اللواتي كن يرتدين ملابس الحداد على اقربائهن، فأبدى تعاطفه ووعدهن بالانتقام السريع. وفي اليوم التالي زاره وفد من عرب المدينة يشتكون إليه جور السلطة ومضايقات الجنود النازلين في ضيافتهم فطلب منهم رفع تقرير رسمي بذلك يتضمّن ما يمكن إثباته بشهود.
وكان اللقاء جافاً والتوعّد ظاهراً فخرج الأندلسيون وهم يتوقعون الأسوأ. وكان على دون خوان التحرّك بسرعة للقضاء على الثورة خوفاً من انتقالها إلى الأندلسيين في أرغون. ولما عرض دون خوان على أعضاء المجلس هذا الرأي أخذوا به لكنّ مركيز مندخار عارضه وأعرب عن اعتقاده أن التفاوض وليس الحرب هو طريق إنهاء الأزمة. وأمام هذا الموقف نشد المجلس موافقة فيليب الثاني فكتب إليه دون خوان رسالة مُطوّلة أوصى فيها بالحزم في التعامل مع الثوار، وتعهد لأخيه بالقضاء على الثورة سريعاً إن اعطاه الصلاحيات وأطلق يديه.
وكان دون خوان واثقاً أن فيليب سيأخذ برأيه فاستبق الموافقة وبدأ تنظيم الجيش، وراح يراسل النبلاء في الجنوب لمدّه بالرجال والسلاح والتجمع في غرناطة استعداداً لبدء العمليات العسكرية. واحتشد الجند واستعدوا فيما انتظر دون خوان جواب فيليب. إلا أن الانتظار طال، ولم تكن هناك فائدة من استعجاله لأنّه لم يكن يحب الاستعجال في شيء. واستغل الأندلسيون تردد الملك فالتحق بالثوار عدد كبير من المتطوعين حتى صار قوامهم نحو عشرة آلاف مقاتل، وبدأوا يشنون الهجمات على مواقع القوات القشتالية فاستملكوا عدداً منها، ثم نقلوا الحرب إلى مناطق قريبة من مدينة غرناطة ودارت معارك بينهم وبين القشتاليين قرب الأسوار. وسرت في القشتاليين المخاوف من إنقلاب الإندلسيين الغرناطيين عليهم فتشددوا في معاملتهم مما أدى إلى فرار بعضهم من المدينة والالتحاق بمعاقل الثوار. وخلال فترة قصيرة اتسعت الرقعة التي بسط عليها الثوار نفوذهم حتى شملت معظم المناطق المحيطة بمدينة غرناطة.
ووصلت أخيراً أوامر فيليب الثاني آخذاً في الاعتبار معظم توصيات أخيه لكنّه أمر بشطر القوات التي تجمّعت شطرين أسند قيادة الأول إلى مركيز مندخار والثاني إلى منافسه مركيز بلش مالقه، لكنه حظر في الوقت نفسه على دون خوان الاشتراك في أي عمليات عسكرية. وتوجد تفسيرات عدّة لهذا القرار يبدو أن الأقرب منها إلى القبول غضاضة دون خوان والخشية من أن يتسبب مقتله في إعطاء الأندلسيين نصراً معنوياً كبيراً يقوّي شوكتهم ويشجع أندلسيين آخرين على الانضمام إليهم. وربما كان الأهم من قرار فيليب الثاني منع دون خوان من المشاركة في القتال هو وضع مركيز بلش مالقة في صف مركيز مندخار. واعتبر باقي أعضاء المجلس هذا التكليف تشكيكاً من الملك بمركيز مندخار فانهزّت الثقة به وخضعت قراراته للمساءلة وتصرفاته للمراقبة.
بداية حروب المقاومة الأندلسية
حاول مركيز بلش مالقة إثبات تفوّقه على منافسة مركيز مندخار فور تسلّمه قيادة المنطقة الشرقية فتوغل بجنوده سريعاً في جبل البشرات واحتل ممر رباحة الاستراتيجي لقطع الإمدادات عن الثوار. لكنّ مركيز بلش مالقة لم يحفظ المداخل فطوّق الثوار الممر وعزلوا الجنود ونشبت معارك متقطعة مُنيت قوات المركيز فيها بخسائر كبيرة اضطرتها إلى الإنسحاب وإعادة التمركز في بلدة برجة الواقعة على الجنوب الشرقي من جبل الثلج (نيفادا). وتقدم الثوار إلى البلدة فحاصروها لكن جنود المركيز تمكّنوا من صدهم وألحقوا بهم الخسائر فكبس المركيز على الثوار مستغلاً تراجعهم. ولم ينتبه المركيز إلى امتداد الثورة إلى البلدات الواقعة على نهر المنصورة إلا بعد فوات الأوان فارتدّ إلى مدينة عدرة الواقعة على الساحل جنوبي برجة وبعث يطلب مدّه بالجنود من الجهة الوحيدة المفتوحة أمامه وهي البحر. وذاعت أنباء انتصارات الثوار فتحمّس الأندلسيون في المناطق المحيطة بمدينة الحامة وقاموا على القوات القشتالية فانسحبت من أرياف المنطقة ومعها المليشيات القشتالية وتحصنت وراء أسوار المدن. وعمّت بعدها الانتفاضة الجنوب، وبدأ الأندلسيون مناوشات عسكرية حول بعض أهم مدن مملكة غرناطة مثل مالقه وبلش مالقة ومطريل Motril والمنكب Almunecar.
وفاجأ تسارع الأحداث دون خوان فبعث إلى فيليب الثاني يستعجله إمداده بقوات إضافية فأصدر أوامره إلى القائد الأعلى ريكويسنس بوقف مسير جيش من الجنود المحترفين إلى إيطاليا لتعزيز القوات الإسبانية تحسّباً من هجوم العثمانيين، والتوجه على الفور إلى الجنوب لقمع الثورة في جبال الحامة. واشتبكت قوات ريكويسنس مع الثوار وارغمتها على التراجع، ثم هاجم مدينة فرجالة Frigiliana التي كانت وقتها من أقوى معاقل الثوار. وحاول ريكويسنس اقتحام المدينة مرات عدّة فمُني بخسائر كبيرة أجبرته على ضرب الحصار حولها. وخرج الثوار الأندلسيون من المدينة إلى القوات القشتالية لكسر الطوق عنها فدارت معركة عنيفة انضمت خلالها مليشيات مالقة إلى قوات ريكويسنس فقلبت الميزان وانكسر الثوار فاقتحمت القوات المشتركة المدينة. وفي التاريخ الإسباني أن قوات ريكويسنس والمليشيات فقدت في المعارك التي دارت على مشارف فرجالة نحو ٠٠٦ شخص لكنها تمكنت من قتل ألفين إلى ثلاثة آلاف أندلسي في حين تمكّن نحو ألفي أندلسي من الانسحاب والالتحاق بمعكسر ابن أميّة. واشتركت الأندلسيات إلى جانب الرجال في محاولة منع القوات القشتالية من دخول فرجالة لكن المؤلف الأميركي برسكوت يقول إن جماعات من النساء الأندلسيات فضّلن بعد اقتحام المدينة الانتحار برمي أنفسهن من على الأسوار والشواهق تخلّصاً من الاغتصاب والسبي الذين كان ينتظرهن.
ورد الثوار على سقوط فرجالة في منتصف سنة 1569 بهجوم شنّه نحو خمسة آلاف ثائر على مدينة سيرون Seron التي كانت احدى المدن التي بقيت بيد القشتاليين في وادي نهر المنصورة الواقع شمال مدينة المرية. وأخفق الثوار في أخذ المدينة نتيجة المقاومة العنيفة التي أبدتها الحامية بقيادة ميرونس Mirones، فضرب عليها الثوار الحصار في الثامن عشر من حزيران (يونيو) من السنة ذاتها وقطعوا طرق تموينها. وكان دون خوان كتب إلى فيليب الثاني يقترح عليه نفي سكان مدينة غرناطة بموافقة دي ديثا عندما وصلت إليه أنباء حصار سيرون فأمر قائداً عسكرياً يُدعى ألونصو كربخال بالتوجه لرفع الحصار. لكن فيليب كان سمع بالحصار أيضاً فأمر مركيز بلش مالقة بتولي مهمة انقاذ الحامية. ولا نعرف سير الأحداث بعد ذلك، إلا أن رواية إسبانية تقول إن المدينة استسلمت فدخل الثوار وقتلوا جميع من تخطّى الثانية عشرة من العمر وأسروا النساء والأطفال.
مواجهة الثورة الأندلسية
انتقم دون خوان لسقوط سيرون بنفي معظم سكان مدينة غرناطة وامتد هذا الانتقام إلى المسؤول الوحيد الذي أبدى بعض التعاطف مع الغرناطيين فجرّد دون خوان مركيز مندخار من معظم صلاحياته بعد موافقة فيليب الثاني. وصغر شأن المركيز بعد ذلك وضعفت نفسه ومات قبل نهاية السنة. وكان دون خوان يعتقد أن قيادة القوات القشتالية ستؤول إليه إلا أن فيليب أصر على موقفه السابق وأسند هذه المهمة إلى مركيز بلش مالقة. وهنا استاء دون خوان من هذه الخطوة وبدأ حملة لعزله فكتب إلى فيليب الثاني يذكّره باخفاقاته العسكرية وضمّ إلى صفه ريكويسنس الذي أوصى في كتاب إلى الملك فيليب بعزل مركيز بلش مالقة فاستجاب وأمر بما اقترحاه. وفيما انشغل دون خوان بإزالة العقبة الأخيرة التي وقفت بينه وبين قيادة الجيش، نقل الثوار عملياتهم إلى الجبال الغربيّة. واسند بن أميّة قيادتهم إلى أخيه الغالب، وانحسرت سلطة جنود فيليب الثاني في الجنوب، وفقدوا السيطرة على أغلب الأرياف.
وإزاء هذه التطورات اقترح دون خوان على أخيه خطة شاملة للقضاء على الثورة شرط إمداده بالقوات، فوافق فيليب الثاني وعهد إلى دون خوان إعادة تنظيم الجيش في انتظار وصول التعزيزات. وتولّى دون خوان قيادة المنطقة الشرقية مؤقتاً، فيما تسلّم دوق سيسه مهمة حراسة الطرق والممرات المؤدية إلى غرناطة من جبل البشرات. وفيما كان دون خوان يعيد تنظيم قواته تمرّد قسم من حامية غرناطة، إذ نزل هؤلاء في ضيافة القشتاليين بعد تهجير الأندلسيين من المدينة لكنهم لم يجدوا معاملة مشابهة فعمّ الاستياء وتطاولوا على مستضيفيهم محتجّين على نوع الطعام المقدّم لهم والخدمات القليلة الممنوحة لهم. وأثار احتجاجهم استياء القشتاليين فشكوا الجنود الى السلطة وتوقفوا عن خدمة جنود الحامية فأعلن هؤلاء العصيان. وبعد التحقيق في الأسباب طرد دون خوان 37 ضابطاً من أصل 45 وأعاد السيطرة على الجنود واتخذ غرناطة مقراً عاماً، وبدأ الجنود وقوات المليشيات يتدفقون على غرناطة من المدن القشتالية القريبة، وبات المسرح معداً لشن الهجوم الأخير قبل أن يحل الشتاء بثلوجه ويمنع حركة الجنود، الأمر الذي كان سيؤدي الى تأجيل الحملة ضد الثوار حتى الربيع.
ونحو نهاية عام 1569 استغل الأندلسيون تباطؤ حركة الجيش بسبب الشتاء وقطعوا بعض خطوط التموين مع الشمال فاضطر دون خوان إلى تحريك قواته وشن سلسلة من العمليات العسكرية لإعادة فتح هذه الخطوط لكن استمرار بقائها مفتوحة اقتضى اقتحام مركز كان الأندلسيون يستخدمونه للإغارة على تلك الخطوط. وهكذا قاد دون خوان جيشاً من الجنود والمليشيات وحاصر مدينة غاليرا Galera الواقعة إلى الشمال الشرقي من بسطة في التاسع عشر من كانون الثاني (يناير) عام 1570. واستمر هذا الحصار نحو الشهر جرت خلاله مفاوضات لتسليم المدينة لقاء عهود قطعها دون خوان على نفسه بالإبقاء على أرواح أهلها وأملاكهم لكن ما أن دخلها حتى ”أمر بقتل جميع سكان المدينة المقدّر عددهم بحوالي ثلاثة آلاف بعد اغتصاب نسائها. ووصلت أعمال القتل والإغتصاب إلى قدر فظيع من الوحشية أرهق الجنود فتفرقوا في كل الاتجاهات صباح اليوم التالي عندما وصلت مجموعات من الأندلسيين لنجدة أهل المدينة. وحاول دون خوان إعادة تنظيم جنوده وقوات المليشيات إلا أنه أخفق في ذلك مرات عدّة وكاد يهلك خلال محاولاته تلك.“
وبقي دون خوان في غاليرا حتى مطلع شباط (فبراير) عام 1570 قاد بعدها نحو ثلاثة آلاف راجل و200 فارس وكتائب من حملة البنادق ورماة المدفعية وبدأ هجوماً مزدوجاً على مدينة سيرون التي كان الثوار أخذوها في تموز (يوليو) السابق. وعهد دون خوان الى ريكويسنس قيادة الهجوم الأول وإلى تابعه كيخادا قيادة الثاني وارتقى تلاً مشرفاً راقب منه سير العمليات. واخترق الهجومان خطوط الدفاع الأندلسية فاحتمى قسم من الأهالي في المساكن الحصينة فيما انسحب آخرون إلى الجبال.
ودخل قسم من المشاة بقيادة لوبي دي فيغيروا Lope de Figueroa الجزء المُخلى من المدينة وبدأ نهب المساكن، إلا أن الأندلسيين كانوا طيّروا الدخان إشارة إلى طلب النجدة فهبط إلى المدينة آلاف الأندلسيين يتقدمهم قائد نعرفه باسم »الحبقي« المسؤول عن تلك المنطقة فتراجعت قوات دون خوان في كل الاتجاهات. أما المشاة في المدينة فأعمتهم المفاجأة فأسقطوا ما سلبوه واحتموا في مساكن المدينة. وهنا أطبق الثوار عليهم وأحرقوا بعض المنازل التي احتموا بها. وعندما هدأت المعركة التي وقعت في السابع عشر من شباط عام 1570وتوقف الأندلسيون عن مطاردة القوات القشتالية أحصى دون خوان نحو 600 قتيل فوقهم المشاة الذين قتلوا أو احترقوا في سيرون. وأصيب كيخادا في تلك المعركة بطلقة في كتفه الأيسر ومات متأثراً بجرحه، كما أصابت طلقة خوذة دون خوان لكنها لم تكن مؤثّرة. معركة ليبانت البحرية وبدء مفاوضات إنهاء الثورة.
بعد يومين من الحادثة الأخيرة اتضحت لدون خوان ضرورة الحصول على إمدادات إضافية فكتب الى فيليب الثاني يصف له الوضع ويطلب إرسال القوات بسرعة. وتضمّن ردّ فيليب على الرسالة الوعد بإرسال ألفي جندي آخر لكن الردّ تضمّن طلباً لم يتوقعه دون خوان هو إنهاء الحرب مع الأندلسيين بأقصى سرعة ممكنة، وفتح باب المفاوضات على الفور.
ويعود سبب هذا الطلب المفاجىء إلى تطورات حاسمة كان إيقاع خطواتها يتسارع في الجانب الآخر من أوروبة. ففي مطلع عام 1570 بدأت الأساطيل العثمانية تقترب من جزيرة قبرص التي سيطر عليها البنادقة مستغلة انشغال جيوش فيليب الثاني في قمع الثورة الأندلسية. وفي بداية شباط (فبراير) عام 1570وجّه العثمانيون إنذاراً نهائياً إلى البندقية بتسليم قبرص التي كانت تُستخدم قاعدة لاعتراض السفن العثمانية والعربية والإغارة على بعض المدن مثل الإسكندرية. ولجأت البندقية إلى البابا بيوس الخامس فعرض على فيليب الثاني إنشاء تحالف ضد العثمانيين يستهدف اسطولهم الكبير الذي بدأ يهدد أغلب شواطىء البحر الابيض المتوسط. واقتضت خطة البابا تشكيل قوة بحرية كبيرة من أساطيل البندقية المتحالفة مع أساطيل دول أوروبية أخرى يقودها فيليب الثاني بنفسه، على أن تتولى البابوية تمويل هذه الحملة من الضرائب التي أقر البابا بعضها على سائر أهل الكاثوليكية، ومن محصلة بيع صكوك الغفران. ولم يكن فيليب غادر قشتالة يوماً واحداً منذ استلم عرش البلاد، ولم يكن يعتزم مغادرتها آنذاك فاقترح على البابا تسليم قيادة الحملة إلى دون خوان فور إخماد الثورة الأندلسية في الجنوب. لكن دون خوان لم يكن حتى تلك الفترة في وضع يمكّنه من إنهاء الثورة التي استفحلت وعمّت قسماً كبيراً من مملكة غرناطة. وبات الوقت على غاية كبيرة من الأهمية، وانتقلت الثورة الأندلسية من دورها المحلي المحصور بمملكة غرناطة إلى دور عالمي أعاق قيادة الإسبان واحدة من أهم معارك القرن السادس عشر.
وأمام هذا الوضع وجّه فيليب الثاني دون خوان لفتح المفاوضات مع الأندلسيين وبدأ مفاوضات مع البابا أطالها متعمداً لإعطاء دون خوان الفرصة لانهاء الثورة الأندلسية. وبدأ دون خوان مفاوضاته باجتماعات عدّة عقدها مع الفارس الحبقي. ودعم فيليب الثاني سير المفاوضات فأصدر إرادة ملكية منحت جميع الأندلسيين عفواً شاملاً لكنها توعّدت بإعدام جميع الرجال والشبان الذين تفوق أعمارهم الرابعة عشرة إن لم يستسلموا خلال 20 يوماً من صدور الإرادة. ولا نعرف طبيعة المفاوضات بين دون خوان والحبقي، إلا أنه يمكن ربطها بما حدث بعد ذلك إذ انسحبت قوات الحبقي من سيرون ثم من تجلة Tijola وبرشانة Purchena فنقل دون خوان مقر قيادته إلى البذّول Padules القريبة من وجر أندرش Lujar de Andarax في الثاني من أيار (مايو) ٠٧٥١، وبسط سيطرته الكاملة على سائر المدن والقرى في وادي نهر المنصورة ونشر قواته في أغلب المناطق الواقعة إلى الشرق من جبل البشرات. وبدأت كتائب دون خوان تجوب الارياف للقضاء على جيوب المقاومة، وشملت العمليات إتلاف الحقول والمزارع وإحراق بيوت الفلاحين الأندلسيين فتحوّلت المنطقة إلى خراب كي لا تقدم أسباب الحياة لأي مخلوق، ”وكانت هذه هي طبيعة إجراءات المصالحة التي استخدمتها الحكومة للقضاء على الثوار.“
وفيما عاثت قوات دون خوان في منطقتها فساداً، قاد دوق سيسة جيشاً من عشرة آلاف راجل و200 فارس للقضاء على الثورة في المناطق الشمالية من جبل البشرات، إلا أن قوات إبن أميّة تصدت للجيش بإغارات كثيفة وفرّت أعداد من الجنود فانسحب دوق سيسة إلى الساحل ثم التحق بمعسكر دون خوان في البذّول. وهنا بعث دون خوان إلى الحبقي يطلب بدء جولة جديدة من المفاوضات الشاملة فوافق وبدأت هذه المرة في الثالث عشر من أيار في قرية تدعى فندون اندرش Fondón de Andarax بحضور الحبقي وعدد من الزعماء الأندلسيين.
واشترط الوفد الأندلسي لوقف القتال إصدار عفو عام جديد والغاء مرسوم الأول من كانون الثاني عام 1567 فطلب دون خوان أن يأتيه الوفد بما يثبت موافقة ابن أميّة على الشروط، فيما عهد إلى أمين سره خوان دي سوتو Juan de Soto الإشراف على صياغة بنود الاتفاق الجديد. وفي التاسع عشر من أيار عاد الوفد إلى معسكر دون خوان بموافقة ابن أميّة فصادق الحبقي على الاتفاق ممثلاً عن الجانب الأندلسي. وبعد انتهاء المراسم انسحب الوفد الأندلسي باستثناء الحبقي الذي بقي في المعسكر ضيفاً على دون خوان وحضر مأدبة عشاء دُعي إليها القادة والأعيان بمن فيهم رئيس أساقفة وادي آش Guadix.
ولما انتهى إلى علم ابن أميّة بقاء الحبقي في معسكر دون خوان ثارت شكوكه، وتحوّلت الشكوك إلى إنكار بعدما عرف أن اتفاق العفو عن الأندلسيين يتضمن بنداً يقضي بإبعاد جميع سكان البشرات عن أماكن اقامتهم على أن يتكفّل الملك برعايتهم في مناطق سكناهم الجديدة. وهنا بعث ابن أميّة إلى دون خوان ينفي موافقته على هذا البند. ولما أجابه دون خوان أن البند موجود في الاتفاق الذي صادق عليه الحبقي ثار ابن أميّة واتهم الحبقي بتجاوز صلاحياته. ولما سمع الحبقي بما حدث خرج من معسكر دون خوان إلى سكناه في بلدة برشل Berchules الجبليّة المطلة على مناظر خلابة في الجنوب، فبعث ابن أميّة جماعته إليه فساقوه الى محل اقامته في مسينه Mecina Bombaron الواقعة إلى الشرق من برشل حيث أعدموه ولفوا جثته بالقش ورموها في واد عميق. ولما استفقد دون خوان الحبقي وعرف بمقتله بعث هرنان بال دي بلاثيوس إلى معسكر ابن أميّة يعرض الصلح فرد عليه: ”لا أمنع قومي من فعل ما يشاؤون لكن ابلغ سيدك انني لن أسلك سبيلهم ما بقي عليّ كساء يستر ظهري. وإن لم يصمد أحد من البشرات فأنا صامد وحدي مفضّلاً أن أعيش مسلماً وأموت مسلماً على أن أنعم بكل ما يمكن ان يقدمه إليّ فيليب الثاني.“ وحين عاد هرنان إلى دون خوان بقرار ابن أميّة بدأ الأخير في إعداد جنوده للقضاء على الثورة، وانتظر موافقة فيليب على إرسال إمدادات عسكرية جديدة لشن الحملة النهائية على الأندلسيين في مملكة غرناطة.
تصفية الثورة الأندلسية الكبرى
بدأت قوات دون خوان والمليشيات أعمالاً عسكرية محدودة استهدفت القرى الأندلسية المنعزلة عاد بعدها الجنود يحملون رؤوس القتلى الأندلسيين أو قضبانهم لاثبات موتهم. وبعدما تحسنت الروح المعنوية لتلك القوات وازدادت جرأتهم قاد دون خوان حملة ضد أججر Ugijar، الواقعة جنوب الطرف الشرقي من جبل شلير، على محورين، إلا أن اندفاعة دوق سيسه كانت أقوى فاجتاح البلدة قبل انضمام دون خوان إليه. ووزع الأخير القوات والمليشيات بعد ذلك على أربعة جيوش فكان هو على رأس جيش من نحو خمسة آلاف جندي نظامي بمهمة إخضاع المناطق الواقعة شمال غرناطة، فيما تولّى ريكويسنس قيادة جيش آخر ينطلق من غرناطة لدخول جبل البشرات من الشمال. وفي الوقت نفسه تولّى دوق سيسه قيادة نحو أربعة آلاف من المجندين لقمع الثورة وسط الجبال، وتسلّم دوق أركوش قيادة الجيش الغربي لقمع الثورة في جبال رندة والاتجاه بعد ذلك إلى الثوار الذين احتموا في قمم الجبال العالية القريبة منها.
وفي بداية أيلول 1570 أمر فيليب الثاني ببدء الحملة فانطلقت الجيوش الأربعة إلى قطاعاتها المحددة رافعة شعاراً مشهوراً أطلقه دون خوان هو: ”لا رحمة ولا هوادة.“. وتصدى الأندلسيون للقوات القشتالية على المحاور الأربعة في المرحلة الأوليّة لكنهم بدأوا التراجع بسرعة والالتجاء إلى المرتفعات. وعمل الجنود على حرق الزرع والشجر وإتلاف المحاصيل فقلّت الأرزاق والماء، وانشغلت مجموعات الثوار بمقاومة القوات كل في قطاعها فانقطعت الاتصالات وانفقد التنسيق بينها. وبعدما أتمّ دون خوان اخضاع المناطق في قطاعه لاحق الأندلسيين في الكهوف والمغاور العالية. وكان الجنود يحاصرون المغاور ويشعلون الأغصان الخضراء في المداخل فربما اختنق المحاصرون وربما خرجوا فتلقفهم رصاص البنادق. ولا نعرف الكثير عن تفاصيل الحملتين اللتين قادهما ريكويسنس ودوق سيسه، لكن دوق أركوش دخل قطاعه في منتصف أيلول تقريباً وتوغل في جبال غربيّة الأندلس حتى اصطدم بتجمع كبير للثوار قرب قلعة اللوز في الجبل الاحمر Sierra Bermeja ودارت معركة عنيفة انتهت بانتصار قوات الدوق وفقد الثوار توازنهم واختلت صفوفهم وتبعثرت جهودهم فانسحبوا في الجملة إلى أعالي الجبال.
ودبّ الخلاف في صفوف قادة الأندلسيين بعد تلك الهزائم وانقسمت الآراء وربما اعتبر بعضهم موقف ابن أميّة سبباً في نكبتهم فقاموا عليه وقتلوه وسلّموا زمام أمرهم إلى زعيم آخر نعرفه باسم عبدالله بن أبيه أو Abén Aboo بالقشتالية. وحاول عبدالله إعادة تنظيم قواته فلم يُتح له الوقت فهرب مع جماعته وحُوصر مع نفر منهم في كهف قرب بلدة برشل. وتمكن عبدالله من الفرار بعد ذلك لكن 70 أندلسياً ظلوا في الكهف وماتوا اختناقاً بالدخان من بينهم زوجة عبدالله وابنتاه. وبحلول منتصف تشرين الأول (اكتوبر) كانت الجيوش الإسبانية الأربعة أنهت مهمتها العسكرية وبدأت ملاحقة الأندلسيين بلا استثناء أينما وجدوا. وتسابق الجنود والمليشيات على اصطياد الأندلسيين وكان أجر كل من أحضر منهم رأس أندلسي أو قضيبه 20 دوقة.
وفي التاسع عشر من تشرين الأول أسبغ فيليب الثاني الشرعية على عمليات الانتقام الواسعة النطاق في الجنوب فأتاح لجنوده السبي والنهب بمرسوم ملكي ورفع رواتبهم. وحان بعد توقف القتال وقت استرداد نفقات الحملات فأصدر الملك فيليب الثاني في الثامن والعشرين من الشهر ذاته مرسوماًًً آخر وجّه فيه بترحيل الأندلسيين المدنيين من الجنوب إلى قشتالة ومصادرة كل ممتلكاتهم. ورحل دون خوان في اليوم التالي بعدما عيّن دوق أركوش حاكماً عسكريا في غرناطة وأوكل إليه مهمة إنهاء الوجود الأندلسي في الجنوب، وكر إلى مدريد حيث استقبله الإسبان استقبال الأبطال الفاتحين.
وبعد تلك المذبحة المروّعة قدّمت السلطات آلاف الأندلسيين إلى المحكمة العليا التي رأسها بدرو دي ديثا فأعدمت قسماً وسجنت قسماً آخر وحرمت آخرين الحريّة فصاروا عبيداً في قشتالة وانتقلت جماعات منهم إلى العالم الجديد. وبحثت السلطات عن آخر زعماء مملكة غرناطة دهراً لكنها لم تجده. وفي آذار (مارس) 1571 كشف أحد اتباع عبدالله للسلطات مكان زعيمه، طمعاً بالسلامة كما يبدو، وانطلق الجنود إليه لكن أحد جماعته استعجلهم فبادر بقتله. وخرج المنادون إلى سكان غرناطة القشاتلة يهنئون بقتل الزعيم الأندلسي فاحتشدوا على بوابتها وجاء الجنود بجثمان عبدالله ابن أبيه موثوقاً إلى إطار خشبي على ظهر بغل فطافوا به المدينة ثم قطعوا رأسه. وتكاثر القشاتلة على الجثمان فشوهوه وحرقوه. أما رأس الزعيم عبدالله فوضع في قفص عُلق على باب البشرات في مدينة غرناطة وكُتب عليه: ”هذا رأس الخائن عبدالله ابن ابيه. ليمتنع الجميع عن إنزاله تحت عقوبة الإعدام.“
وبنهاية الثورة كان معظم الأندلسيين الذين عاشوا في الجنوب مغرّبين أو سجناء أو عبيداً أو أسرى و”صُبغت تلك الأشهر بنهر أحمر قان من الدماء. كان شعار دون خوان: لا رحمة لا هوادة، فذُبح الرجال والنساء والأطفال بأمره وأمام ناظريه، وتحوّلت قرى البشرات الى مسلخ بشري. أما القائد الاعلى ريكويسنس فتمكّن من اخماد آخر جذوات الثورة قبل الخامس من تشرين الثاني 1570 ورتب سلسلة منظمة من الذبح الجماعي والتدمير الشامل وإحراق القرى عن آخرها وخنق الناس بالدخان في الكهوف حيث لاذوا. وتم أخيراً اخضاع الموريسكيين لكن على حساب إسبانيا المسيحية وسمعتها ومستقبلها«.19 وأضحت غرناطة بعد ذلك »مسرحاً للاعدامات شبه اليومية. فبعد أسر الثائرين التعساء كانوا يُجبرون على المثول أمام محكمة دي ديثا، فيصدر عليهم الحكم على الفور بالخدمة في القواديس أو الشنق، أو بنهاية أكثر إرهاباً عن طريق تقطيع أجسادهم بكماّشات ُتحمّى حتى يصبح لونها كالجمر.“
واحتمت جماعات من الأندلسيين بالمرتفعات والمناطق الوعرة التي لم تستطع القوات القشتالية الوصول إليها، وبدأت شنّ هجمات متفرقة على مراكز القوات القشتالية حتى نهاية شهر أيار (مايو) من 1571. وأمر الحاكم العسكري الجديد بتشييد 84 منبراً عسكرياً بينها 29 منبراً في جبل البشرات ووادي القرن Lecrin، كما شدّد الحراسات على مداخل المدن. ولم تشأ السلطات استمرار الوجود العسكري خلال الشتاء فعرضت على بقايا الثوار وعيالهم الاستسلام لقاء تأمين أنفسهم وعيالهم فقبل كثيرون العرض. وبانتصاف عام 1571 انطفأت شعلة الثورة التي استشهد فيها نحو 20.000 أندلسي وأندلسية، وربما كان عدد جرحاها ثلاثة أضعاف هذا الرقم على الأقل، فيما طاولت الإعدامات والاستعباد والشغل في السفن الإسبانية في أعالي البحار عشرات الألوف.
نتائج الثورة الأندلسية الكبرى
في ليل الأربعاء الثاني والعشرين من حزيران (يونيو) عام 1569 دبّت في غرناطة حركة غير عادية إذ تدفقت قوات قشتالية كبيرة على المدينة تحت جنح الظلام وأغلقت أبواب المدينة وضربت حصاراً حول الأحياء الأندلسية. وصباح يوم الخميس الموافق للتاسع من محرّم سنة 977 هجرية بعث دون خوان المنادين إلى رباض البيّازين فأمروا جميع الأندلسيين الغرناطيين ممن تراوح أعمارهم بين العاشرة والستين الاتجاه فوراً إلى أقرب الكنائس إليهم وحذروا بإنزال أشد العقاب بالمخالفين.
وعمّ الخوف البيازين فهرع أعيان الأندلسيين إلى دون خوان للاستفسار عن سبب النداء وأكدوا ولاءهم لفيليب الثاني والتزامهم الحياد واعتراف الحاكم العسكري بهم ”أندلسيي السلم“. وطمأن دون خوان الوفد وشرح أن هدف جمع الرجال هو تعدادهم، وطلب إليهم ضمان تأمين امتثال الأندلسيين للأمر ففعلوا ما أشار به. لكن ما أن دخل الرجال والفتيان الكنائس حتى أغلق الجنود أبوابها وضربوا عليها الحراسات وأبعدوا الأمهات والزوجات اللواتي جئن الكنائس يتوسلن ويبكين من الخوف على أولادهن وأزواجهن وآبائهن.
وفجر يوم الجمعة أمرت القوات القشتالية الأندلسيين بالخروج من الكنائس والاصطفاف في صورة أرتال تحرّكت تحت حراسة مُشددة إلى المستشفى الملكي. وكان دون خوان كتم سبب جمع الرجال الأندلسيين حتى تلك اللحظة إلا أن حادثاً وقع في الطريق أثار خوف الأندلسيين وكشف المصير الذي ينتظرهم إذ لطم أحد الجنود شاباً غرناطياً ليحضّه على الإسراع فاغتاظ الشاب وضرب الجندي بحجر فاندفع الجنود إليه وقطّعوه بسيوفهم على مرأى الأندلسيين، ثم أوثقوهم كلهم بعد ذلك.
وأمضى دون خوان النهار يفرز الأندلسيين فاختار منهم نحو ألفين من العلماء والحرفيين والعالمين في فنون الصناعة والزراعة والبناء، وقسّم الباقي إلى جماعات حُددت لكل منها وجهة مُخصصة لها في قشتالة. وعندها فقط عرف نحو 35.000 غرناطي أن دون خوان كان ينفّذ مرسوماً أصدره الملك فيليب الثاني بتغريب أهل مدينة غرناطة آخذاً بتوصية كل من دون خوان وبدرو دي ديثا. وبعد الانتهاء من تغريب الرجال باستثناء من أمر دون خوان استبقاءهم، انتزع القشاتلة الأطفال من أمهاتهم، وجرى توزيعهم بإشراف الكنيسة على بيوت القشتاليين لإنشائهم نشأة كاثوليكية. وسمح دون خوان للنساء البقاء في غرناطة ريثما يبعن أملاكهن، لكن لا نجد في المصادر التاريخية الإسبانية أي معلومات عما حصل لمعظمهن بعد ذلك.
واتبع فيليب الثاني تغريب أهل مدينة غرناطة بتغريب قسم كبير من سكان مملكة غرناطة بموجب مرسوم خاص أصدره في الثامن والعشرين من تشرين الاول (اكتوبر) عام 1570. وأشرف دون خوان هذه المرة أيضاً على أعمال الترحيل التي جرت وفق نظام الترحيل الأول، إلا أن عدد المُغربين كان كبيراً مما اضطره إلى الاستعانة بقوات ريكويسنس ودوق سيسه خوفاً من انفلات الأمور. وفي الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) بدأت أول مجموعة من المُغرّبين الاتجاه إلى منافيها في قشتالة وتبعتها مجموعات أخرى في الاسبوعين اللاحقين.
ثم توالت أعمال التغريب مع استمرار استسلام الأندلسيين ونزولهم أولاً بأول من ملاجئهم في الجبال. ولم ينته دون خوان من مهمته حتى كان عدد الذين غرّبهم في هذه المرّة الثانية نحو 50.000 أندلسي. وانتهى معظم أطفال الأندلسيين المُغرّبين نهاية أطفال مدينة غرناطة فتوزّعتهم الكنيسة والقشاتلة وانقطعت عنهم أخبار آبائهم وأمهاتهم اللواتي لا نعرف أيضاً ما حدث لهنّ بعد نفي أزواجهن وأولادهن إلى الشمال.
ولم يكن هذا مصير الجميع فعندما بدأت الثورة الأندلسية الكبرى كانت غالبية أندلسية تسكن المدن والقرى الواقعة شمال المرية وشرقها مثل طريلة Turrilas وطربال Tarbal ونجار Níjar وأنوش Inox ومجقار Mojácar والقرون Llegaron والمنتزه Mantanza ووبرة Huebro ولقينة Lucainena وغيرها. وعندما اشتدت المعارك احتمت النساء والأطفال في حصن أنوش Peñón de Inox في انتظار فرصة للعبور إلى المغرب لكن جماعات من المرتزقة الأوروبيين والقشاتلة والأرغونيين سمعوا بوجودهم فنزلوا عليهم وسبوا نحو ثلاثة آلاف امرأة وطفل.
وعادت السلطة بعد تغريب معظم سكان مملكة غرناطة الأندلسيين فنفت جزءاً كبيراً من سكان المرية حتى تقلّص عدد سكانها عام 1571 إلى نحو سبعة آلاف فقط. وسعت السلطات إلى محاولة إعمار تلك المناطق بالمهاجرين القشاتلة وغيرهم إلا انها لم تجد إلا عدداً قليلاً، ولم تستعد هذه المناطق بعض حياتها السابقة إلا بعد نحو 100 عام من نفي سكانها الأندلسيين.
ونجد في التاريخ حالات لا تحصى من انزال العقوبات الجماعية والتجريم بالإرتباط لكنّ الإسبان فعلوا ذلك بمجموعة من القوانين والمراسيم الملكية القراقوشية العجيبة. ففي الرابع والعشرين من شباط 1571 صدرت مجموعة أوامر معروفة باسم ”مجموعة القوانين المحلية الخاصة بمملكة غرناطة“ Ordenanzas de Granada قُدم لها بالآتي: »لا يجب أخذ الموريسكيين الذين لم يشاركوا في العصيان بجريرة العاصين، وعلينا ألا نرغب في ايذائهم. لكن لن يستطيع هؤلاء من اليوم استغلال أراضيهم لأن محاولة فصل الأبرياء عن المذنبين مهمة بلا نهاية. وسنعمل بالتأكيد على تعويضهم في المستقبل، لكن أملاكهم ستُصادر في الوقت الراهن مثلهم في ذلك مثل الموريسكيين الثائرين«22. ولم يُعوض أندلسيو السلام عن مصادرة أملاكهم التي ذهبت لتغطية نفقات الحرب المُقدّرة بنحو 100 مليون دولار بعملة أميركا اليوم، ومع ذلك نرى في موقف القشتاليين من هذا القانون استهجاناً صارخاً فاعتبروا ما جاء فيه تسامحاً عن الأندلسيين لا يسوّغه العقل.
وسعت القوانين والمراسيم التي اصدرتها الحكومة بعد إنهاء الثورة إلى منع عودة الأندلسيين إلى أرضهم وأعادت تشديد القيود المفروضة عليهم. ومن تلك المراسيم مرسوم شرير صدر في السادس من تشرين الاول (اكتوبر) عام 1572 حرّم على الأندلسيين التخاطب بالعربية أو الكتابة بها، وحدد عقوبة المخالفة الأولى للمرسوم بالسجن مع التكبيل بالحديد مدة 30 يوماً، وضعفي المدة في المخالفة الثانية، والخدمة أربع سنوات في القواديس مع 100 جلدة في حال المخالفة الثالثة. وجاء في المرسوم أن العثور على وثيقة عربية أو صفحة مكتوبة بالعربية سيعرّض صاحبها للخدمة في القواديس (نوع من السفن السائدة آنذاك) أربع سنوات بعد توقيع 100 جلدة بحقه. وألغى المرسوم أي قيمة قانونية لأي وثيقة أو صك مكتوب بالعربية، وحدد عقوبة جميع المسؤولين عن مثل تلك الوثائق أو الصكوك بمئتي جلدة والعمل سخرة في القواديس ست سنوات. وتضمن المرسوم عدداً كبيراً من الممنوعات والمحظورات إلا أن أعظم العقوبات كانت بحق الأندلسيين الذين يتركون المناطق السكنية المحددة لهم بعد نفيهم. إذ جاء في المرسوم أن عقوبة القبض على أي أندلسي يراوح سنه بين العاشرة والسابعة عشرة في أي مكان دون عشرة فراسخ (نحو ٥٥ كيلومتراً) من غرناطة سيعرّضه إلى عقوبة الشغل في القواديس بقية أيام حياته. وإذا كان عمره فوق ذلك ستكون عقوبته الإعدام. وألزم المرسوم الأندلسيين بضرورة إبلاغ السلطات بفرار أي أندلسي من المنطقة الجديدة المحددة لسكناه. وإذا تخلّفت أي أسرة عن تقديم مثل هذا البلاغ إلى السلطات فإن عقوبة أفرادها ستكون السجن مدة شهر واحد والجلد بغض النظر عن نوع صلة الأندلسي الفار بهذه الأسرة.
توزّع الأندلسيين بعد الثورة الكبرى
يوجد موقف قريب من الإجماع لدى الكتّاب الذين ألفوا في أحوال الأندلسيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر على اقتراح تقديرات تضع عدد الأندلسيين بين ملايين عدة وأقل من 300 ألف شخص، إلا أنني أميل شخصياً إلى الأخذ بتقديرات الاقتصاديين الذين تناولوا هذا الموضوع الكارثي والغني والمثير في آن مقارنة بمؤرخين محدثين اعتمدوا مجموعة من الوثائق القشتالية غير المشهورة بدقتها يقترب عمرها من قرنين ونصف القرن. وعلى رغم تراكمية القيود التي فرضتها السلطات القشتالية على الأندلسيين، وتضافر جهود السلطة والكنيسة ومعظم القشاتلة في مراقبتهم واضطهادهم لم تكن مملكة فيليب الثاني، كما لم تكن مملكة أبيه كارلوس الخامس من قبله، مثال التنظيم والدقة فسادتها الفوضى والرشوة والفساد والتعثّر مثلها مثل غيرها. ووجد الأندلسيون سهلاً الحصول في بعض الحالات على الوثيقة التي يريدونها إذا كان لديهم المال لدفع الثمن. ولا ننتقص من نضال الأندلسيين واستماتتهم دفاعاً عن أهلهم ودينهم وعروبتهم إن خلصنا من متابعة المتوافر من المعلومات عن الثورة الأندلسية الكبرى إلى الاستنتاج بوجود حالات واضحة من غياب الانضباط والنظام في صفوف القوات القشتالية، لذا لم يكن عبور الأندلسيين إلى العدوة مستحيلاً في كل الأوقات، ولم تتوقف حركة الأندلسيين عبر مضيق جبل طارق قبل تسليم غرناطة ولا بعدها. وعلينا الافتراض أن تهريب الناس في تلك المرحلة جرى في الصورة التي يجري عليها في أيامنا هذه، وكان للكثيرين نشاطاً مجزياً لا يمكن السيطرة عليه بسهولة لأن جماعات من السلطة كانت تستفيد من هذا النشاط وتحمي أصحابه. وما ينطبق على الأندلسيين في مملكة غرناطة ينطبق على الأندلسيين في قشتالة وأرغون. وعلينا الافتراض أن هؤلاء كانوا يستطيعون دائماً عبور الحدود إلى جنوب فرنسا ومنها إلى إيطاليا فالعدوة وغيرها، أو الحصول على الأوراق الرسمية المدفوعة الأجر أو المزوّرة التي تسمح لهم بمغادرة البلاد.
ونعرف من وثائق كثيرة أن السلطات لم تحظر دائماً تنقّل الأندلسيين بين غرناطة وأرغون وقشتالة، ولم تكن تستطيع أن تفعل شيئاً مثل هذا أصلا بالنظر إلى اشتغال الأندلسيين بالنقل خصوصاً على البغال والعربات الصغيرة، لذا لا يُستبعد نشوء عمليات هجرة داخلية محدودة في اتجاه أرغون بين الوقت والآخر تبعاً للظروف. وهناك سببان مهمان يمكن أن يفسّرا جانباً من التباين الملفت في تقديرات عدد الأندلسيين في أي مرحلة من مراحل وجودهم في إسبانيا سنتناولهما بشيء من التفصيل في فصل ”تغريب الأندلسيين“. وحسبنا الإشارة هنا إلى أنهما يخصّان عدد الأندلسيين الذين سلبتهم السلطات حريتهم فصاروا عبيداً فخرجوا من دائرة الاحصاءات والتقديرات الرسمية ذات الغاية الضرائبية، وعدد الأندلسيين الذين تمكّنوا من الهجرة إلى الممالك الإسبانية في العالم الجديد بوسائل شتّى بينها تزوير الوثائق والأنساب وتستّر النبلاء والتجار الكبار على الأندلسيين. ويمكن الافتراض ان هؤلاء عملوا في حالات كثيرة بأجور تقل عن الأجور التي كان القشاتلة يتقاضونها نظراً إلى الأوضاع السلبية الخاصة التي كانوا يعيشونها. واشرنا في غير مكان إلى ان التقديرات الخاصة بعدد الأندلسيين في مملكة غرناطة بعد الثورة الأندلسية الأولى راوحت بين 200 ألف و500 ألف شخص حتى بعد إخضاع هذه التقديرات إلى المعاملات المُساقة أعلاه (هجرة وتهريب واستعباد وغيره). وربما تعدّى عدد الأندلسيين الذين غرّبهم فيليب الثاني خلال الحرب الأندلسية الكبرى وبعدها 900 ألف شخص، يُضاف إليهم نحو 20 ألف أندلسي وأندلسية استشهدوا في المعارك. ولا نعرف عدد الجرحى والمرضى والطاعنين في السن وغيرهم ممن لم تستطع السلطات ترحيلهم من مدينة غرناطة أو من مدن الجنوب وبلداته وقراه، ولا نعرف عدد النساء اللواتي بقين في مملكة غرناطة بعد نفي رجالهم وسبي أطفالهم لكن بعض التقديرات يشير إلى أن عدد الأندلسيين الذين بقوا في مملكة غرناطة حتى بعد إتمام التغريب المزدوج يراوح بين 60 ألف شخص و150 ألف شخص. ويبدو حتى الرقم الأدنى كبيراً بالنظر إلى اصرار السلطات على منع قيام ثورة أخرى في الجنوب مهما كان الثمن، وموافقة فيليب الثاني على انتقال 50000 قشتالي لأخذ الأماكن التي أجلي الأندلسيون عنها.
لكن يجب الأخذ في الاعتبار طبيعة الانتاج الزراعي والصناعي وطرائقه في الجنوب التي حتّمت بقاء أعداد كافية من الأندلسيين لضمان استمراره. وأحد أسباب ذلك أن القشاتلة تجنّبوا الأعمال اليدوية وافتقر عدد كبير ممن انتقلوا إلى الجنوب إلى المهارات اللازمة للتعامل مع ظروف تختلف عن تلك التي عهدوها سابقاً. وتطلّب العامل القشتالي الماهر أجراً يتناسب وخبرته وقشتاليته أيضاً مما كان سيرفع تكاليف الانتاج وسيقلص الأرباح التي كان يجنيها النبلاء والملاك الكبّار الذين وجدوا في الأندلسيين عمالة رخيصة قليلة الشكوى وكبيرة الانتاج. وهكذا نجد لدى استعراض الوضع الإقتصادي في غرناطة بعد الثورة الكبرى أن اقتصاد المملكة تأثر كثيراً بتغريب الأندلسيين وقتلهم، إلا ان هذا التأثر لم يقترب من حد كارثي أو حتى الانهيار، وربما كان أحد أهم أسباب ذلك بقاء العدد المُشار إليه في مناطق الإنتاج.
وبينما استمر عدد الأندلسيين في مملكة أرغون ينمو في العموم نمواً طبيعياً من إجمالي قُدّر في بداية القرن السادس عشر بحوالى 235000 شخص ليصل إلى رقم محتمل هو 400000 ألف، فإن عدد الأندلسيين الذين كانوا يعيشون في قشتالة في تلك الفترة ذاتها قُدّر بنحو 200 ألف شخص، وربما وصل الى 400 ألف شخص عام 1569 على اساس احتساب زيادة سنوية في عدد السكان بنسبة واحد في المئة ليتضاعف العدد مرتين كل 70 سنة. وربما كان العدد يقترب من نصف مليون إذا أخذنا في الاعتبار سببين: الأول اشتهار الأندلسيين بكثرة الإنجاب وقلة الإنفاق، وهو موقف طبيعي لمن يعيش الأوضاع التي عرفها الأندلسيون، والثاني انضمام نحو 90 ألف منفي إلى العدد الأصلي. ومع الاعتراف بوجود هامش كبير من الخطأ في هذه التقديرات، ربما كان ممكناً تقدير عدد الأندلسيين في كل من أرغون وقشتالة ومملكة غرناطة بنحو مليون شخص على الأقل حتى بعد إخماد الثورة الأندلسية الكبرى على يد دون خوان النمسوي.
الأندلسيون في أرغون بعد الثورة الكبرى
سنتحدث عن الأندلسيين في أرغون بتفصيل أكبر في فصل لاحق، لكن أود الإشارة هنا إلى أن هؤلاء لم يشتركوا مباشرة في الثورة الأندلسية الأولى ولا في الثورة الأندلسية الكبرى، ولم تنسحب عليهم بنود المراسيم التي أصدرها فيليب الثاني قبيل اندلاع الثورة أو خلالها وبعدها. ومدّ الأندلسيون الأرغونيون إخوانهم في غرناطة دائماً بالمتطوعين والمال والسلاح وأظهروا تعاطفاً معهم وغضباً على السلطة بسبب معاناتهم، لكن أي مشاركة مكشوفة كانت ستعرض مصالح الأندلسيين الأرغونيين إلى مخاطر عظيمة تهزّ مجتمعهم من أساساته.وشاع في المجتمعات الإسبانية في مملكة أرغون خلال الثورة الأندلسية الكبرى أن الأندلسيين الأرغونيين بدأوا استعدادات واسعة النطاق لتنظيم انتفاضة مماثلة، ودخلوا مرحلة جمع الأسلحة والتدرّب على القتال، فسارع كثيرون من المسيحيين في أرغون إلى خطب ودّ الأندلسيين، وكان السعيد منهم وقتها من كان له صديق أندلسي.
ووراء هذه المخاوف ما يسوّغها إذ على الرغم من قلة عدد الأندلسيين الأرغونيين في المدن الأرغونية الرئيسية، باستثناء بلنسية ومرسيّة. وكانت الكثافة الأندلسية عالية في الأرياف، وربما اقتصر الوجود النصراني في قرى كثيرة على القسيس وخادمه فقط.ويبدو أن جماعات من الأندلسيين الأرغونيين ظلت تحتفظ بأسلحة نارية. وحدث مرات عدّة أن جاء عمّال محاكم التحقيق إلى قرية أندلسية فخرج إليهم الرجال بالسلاح والنساء بالعصي فانهزموا. ووعت السلطات الأرغونية حقيقة قوة الأندلسيين في تلك المملكة فعملت على عزل ما حدث في الجنوب عن الأندلسيين في أرغون وأبقت الأخبار سراً. أما السلطة في مدريد فقصرت المناطق التي نفت إليها الأندلسيين الغرناطيين على القشتالتين القديمة والجديدة وجليقية، وحظرت اختلاطهم أو اتصالهم مع غيرهم من الأندلسيين من خلال فرض الإقامة الجبرية عليهم بموجب مرسوم فيليب الثاني، واخضاعهم إلى مراقبة دائمة من جانب السلطات والكنيسة والقشتاليين الذين حلّوا بينهم.

الرندي غير متواجد حالياً  
قديم 25-02-2008, 05:42 PM   #9 (permalink)
مسافر متميز
 
الصورة الرمزية أبن زيدون
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
الدولة: قرطبه ( يا فاتنة الدنيا)
رقم العضوية :110547
المشاركات: 339




افتراضي


شكرا حبيبي الرندي واضافات جدا رائعه تستحق انها تكون موضوع لحالها
اسئل الله ان يجعلها بموازين حسناتك اخي الحبيب

أبن زيدون غير متواجد حالياً  
قديم 01-03-2008, 11:03 PM   #10 (permalink)
مسافرجديد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2008
رقم العضوية :174894
المشاركات: 5




افتراضي


لكن ياترى اين هم الان في عصرنا هل نجح الاسبان في تنصيرهم جميعهم

يوسف ابن تاشفين غير متواجد حالياً  
قديم 01-03-2008, 11:46 PM   #11 (permalink)
مسافر متميز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
رقم العضوية :40546
المشاركات: 311




افتراضي


شـــكراً لك أخي أبن زيدون على مداخلاتك الحلوة. وشكراً للأخت أعتماد على إثارة مثل هذا الموضوع الشيق الذي كنت أبحث عنه منذ فترة طويلة. وما أشارك به من إضافات وتعليقات ماهو إلا جزء بسيط من رد الجميل لهذا المنتدى الممتع.
وإليك الآن آخر ما حصلت عليه في هذا الموضوع :
أسباب انهيار مبدأ التعايش في آيببرية وتأثير ذلك في عملية الطرد الكبير عام 1609
الجمعة ٢٧ نيسان (أبريل) ٢٠٠٧ بقلم عادل بشتاوي
ورقة المؤرخ عادل سعيد بشتاوي إلى المؤتمر العالمي العاشر للدراسات الموريسكية في زغوان (تونس) وهي بعنوان:
أسباب انهيار مبدأ التعايش في آيببرية وتأثير ذلك في عملية الطرد الكبير
The Collapse of the Principle of Coexistence in Iberia and its effect on the Expulsion of the Moriscos
محور الورقة: خرجت قشتالة إلى الوجود من تحت عباءة حربها مع الأندلس وخرجت إسبانيا إلى العالم من تحت عباءة حربها مع غرناطة. وخلال رحلة الأندلسيين من السيادة في وطنهم إلى الاستعباد دفع الإسبان ثلاثة ملايين عربي خارج بلادهم لذا يمكن اعتبار الأندلسيين من أكثر الشعوب المنكوبة آنذاك. وحاولت إسبانيا خلال أكثر من 100 عام تلت تسليم غرناطة في 1492 قطع صلة الأندلسيين بدينهم ومجتمعهم وتذويب شخصيتهم إلا أنهم صمدوا وبقيت روحهم المعنوية عالية، وظلوا في سوادهم محافظين على دينهم وعروبتهم وعاداتهم حتى يئست الكنيسة من تنصيرهم، ويئست السلطة من إرهابهم فقررت تغريب قسم كبير منهم مطلع القرن السابع عشر وببدأ هؤلاء تغريبة لم يستطع الباحثون حتى الآن رسم خريطة وافية لها. وكان الأندلسيون المٌبعدون عن وطنهم أكبر ضحية لهذا القرار الإسباني، إلا ان أسبانيا خسرت أيضاً لأنها أبعدت مواطنين منتجين، ولم تنتبه إلى خطأ قرارها إلا عندما بدأت تبحث عن مكامن القوة في جسد الأمبراطورية الذي بدأ يترنح تحت ضغوط أعدائها في كل مكان خلال القرن السابع عشر. إلا أننا نعتقد عموماً ان الضحية الأهم في كل هذا هو مبدأ التعايش الذي عرفته شبه جزيرة آيبرية في فترات كثيرة من تاريخها الطويل، وكان في مراحل عدّة أحد أهم أسباب النهضة التي قامت على تضافر جهود أصحاب الأديان السماوية الثلاثة: الإسلام والنصرانية واليهودية. من هذه الزاوية بالذات نعتقد أن قرار طرد الأندلسيين الجدد كان طعنة قاتلة لمبدأ التعايش، وإقراراً من جانب الإسبان بعجزهم عن اعتماد هذا المبدأ وفتحوا بذلك، ربما من دون قصد، بوابة من العنصرية والقهر الديني وانعدام التسامح لا يزال العالم يعاني من تأثيراتها حتى اليوم.
الجزء الأول
١- المقدمات
١)- مدخل:
تتجلّى مأساة الأمّة الأندلسية في انقطاعها عن باقي الأمتين العربية والإسلامية خلال صدامها مع إيزابيلا وكارلوس الخامس وفيليب الثاني ثم فيليب الثالث في مرحلة من أكثر مراحل التاريخ إضطراباً. وسيطر الصراع بين العثمانيين ومعظم الأوروبيين، بمن فيهم الإسبان، على أحداث القرنين السادس عشر والسابع عشر. لكن عين الإسبان، واسلحتهم أيضاً، كانت موجهة إلى الفرنسيين الواقفين للتوسع الإسباني بالمرصاد، وإلى البرتغاليين سعياً وراء فرصة يُمكن اقتناصها لأخذ بلدهم الصغير، وإلى عرب المغرب لاعتماد بعض مدن الساحل المغاربي نقاط دفاع متقدمة ضد العثمانيين، ثم جاءت حركة الإصلاح الديني اللوترية وبدأت تهدد ممالك إسبانيا في هولندا وألمانيا والعالم الجديد.
وكان الأندلسيون، في رأي القسم الأكبر من الإسبان، القاسم المشترك الأعظم بين كل أعدائهم. فهم مسلمون مثل العثمانيين، وعرب مثل أهل العدوة، وأنصار لفرنسا وفقاً للقول المشهور ”عدو عدوي صديقي“، وإخوان الشقاء مع الهولنديين البروتستانت الذين خاضوا معركة دامية مع إسبانيا للحصول على استقلالهم استمرت 80 سنة. وكان الأندلسيون في إسبانيا أقليّة كبيرة لا يُستهان بها وملكوا معرفة جيدة بأحوال البلاد ومنافذها لذا كانوا، في نظر الإسبان وعلى حد قول محدث منهم هو الدكتاتور فرانكو، ”طابوراً خامساً“ مستعداً للتعاون مع أعداء إسبانيا للخلاص من الاضطهاد الذي عانوا منه فتحينوا فرصهم دائماً. وفهم بعض ملوك إسبانيا هذا الوضع فحاولوا تخفيف الاضطهاد والتشدّد خلال فترات الاستقرار الداخلي والخارجي. لكن هذه الفترات كانت قصيرة جداً، وبدأ ارتفاع حدّة الضغوط ضد الأندلسيين داخلياً يواكب ارتفاع حدّة الضغوط الخارجية، ثم استقرت هذه الضغوط في مستوى مرتفع اعتباراً من بدء الحرب ضد البروتستانت في نهاية الربع الأول من القرن السادس عشر. حدث هذا لاحقاً، ففي السنوات القليلة التي اعقبت القضاء على الثورة الأندلسية الأولى لم تصل الضغوط الخارجية إلى الحد الذي كان معه التضييق الكبير على الأندلسيين ضرورياً. وكانت جماهير قشتالة آنذاك مبهورة من سرعة استجابة إيزابيلا لمطالبها بتمزيق المجتمع اليهودي وتمتّع المجتمعات القشتالية المحيطة بمملكة غرناطة بالفورة الاقتصادية التي ولّدتها الحرب الطويلة مع المملكة العربية لذا كانت الجماهير تخرج في الطرقات وتغني: ”مهما ارتفعنا ومهما علونا ستبقى إيزابيلا وفرناندو أعلى منّا“.
ويجب القول إن الذي كان يُناسب المجتمع القشتالي في المئة سنة التي تلت تسليم غرناطة لم يكن يناسب المجتمع الأندلسي، وإن المجتمع القشتالي هو الذي استفزّ الأندلسيين لإعلان الثورة الأولى ثم لإعلان الثورة الكبرى. ويجب القول كذلك إن الملوك الإسبان الذين كتبوا مراسيم العفو عن الأندلسيين هم أنفسهم الذين كتبوا مراسيم العقوبات بالحبر نفسه، وإن الكاهن الذي كان يحاول أن يقنع الأندلسي في الكنيسة بفضيلة إدارة الخد الأيسر ينتمي إلى المؤسسة نفسها التي ينتمي إليها من كان يضرب الأندلسي في أقبية التعذيب تحت قصور محاكم التحقيق على خده الأيمن ثم الأيسر، ثم يركله بهذه القدم ثم تلك قبل أن يبدأ التعذيب الحقيقي بعد ذلك. كيف كان الأندلسي المسكين يستطيع أن يتصوّر الشخصيتين في شخصية واحدة وهو يرى فيهما الشيء ونقيضه؟ كيف كانت الأندلسيّة ستقتنع بقول القسيس إن الكنيسة محل الرحمة فيما هي تعرف أن الدير القريب منه قصر محكمة التحقيق التي لا تفرّق بين رجل وأمرأة، ولا شاب وعجوز؟
٢)- الحقوق والواجبات
ورأى مؤرخون أن الأزمة بين الأندلسيين ومحاكم التحقيق ذات طابع ديني واضح لكنها أيضاً أزمة في شأن طبيعة الدور الذي أراد المجتمع الإسباني من الأندلسيين القيام به. إن حديث بعض المؤرخين عن مواجهة جدلية استمرت بين الإسبان والقشتاليين 100 عام لتحديد واجبات كل من الطرفين وحقوقه لا يستند إلى أرضية يمكن إثبات وجودها لأن الإسبان لم يقدموا للأندلسيين على مدى أكثر من قرن سوى خيار واحد هو التنصّر الذي لم يستطع معظم الأندلسيين قبوله. وخلال المئة عام تلك كان على الأندلسيين دائماً أن يقدموا التنازلات. لكن حتى لو قدّم الأندلسيون هذا التنازل الأخير وتنصّروا من المشكوك فيه أن يؤدي هذا إلى تغيير جذري في العلاقة التي نظر اليها بعض الإسبان من زاوية العلاقة المعروفة بين العبد والسيد. وماذا يحدث إذا استاء الإسباني من الأندلسي المُتنصر؟ سيتهمه بعدم الإخلاص في اعتناق النصرانية. وإذا استاء القشتالي من الأندلسي المخلص الإيمان بالنصرانية فبماذا سيتهمه؟ سيتهمه بأنه عربي. إذاً أين المخرج من هذه الأزمة؟ لم يكن هناك مخرج لهذا استمرت المواجهة بين الأمّتين الأندلسية والإسبانية.
وكان الأندلسيون يؤدون أعمالاً لم يتقنها القشاتلة أو تعففوا عن الاشتغال بها فهم الأطباء والبياطرة والخبّازون والحدادون والنجارون والخياطون والحذّائون وتجّار المواد الغذائية والبغّالون والفلاحون وموزعو الماء ومئات الوظائف الاخرى. وعلى مر العصور اعتاد القشاتلة حمل السلاح والاتجاه جنوباً نحو مراكز الانتاج الأندلسية والاستيلاء عليها وإغراء الأندلسيين بالبقاء فيها ليستمروا في إعمار البلاد ودفع الضرائب والأتاوات التي أغنت الخزانة. وكان الأندلسيون يؤدون هذا الدور في القرن الثالث عشر مثلما كانوا يؤدونه في القرن السادس عشر وفي عصر الخلافة القرطبية قبلهما. وها قد صدرت مراسيم التنصير وصار كل الأندلسيين في قشتالة يُعتبرون متنصرين فمن سيتولى القيام بالأعمال التي كان الأندلسيون يقومون بها إذا صار هؤلاء متساوين في الحقوق مع القشاتلة فكان من بينهم القاضي ورئيس البلدية وقادة الجيش والمسؤولون الحكوميون وانفتحت فرص شغل المناصب الرفيعة أمامهم؟ بماذا سيتميّز القشتالي عندها؟.
هذا الوضع لم يكن يقلق الإسبان لأن قوانينهم واعتباراتهم كانت تحتوي آليّات ثابتة تضمن تميزهم في الهرم الاجتماعي. واعتباراً من مطلع العشرينات من القرن السادس عشر صدّرت مراسيم تعميد الأندلسيين فوضع الإسبان آليّة جديدة ميّزت بين النصراني الجديد والنصراني القديم. متى يمكن أن يصبح النصراني الجديد قديماً؟ لن يصبح في معظم الحالات نصرانياً قديماً مهما فعل لأن النصارى القدامى (الإسبان) سيكونون دائماً أقدم منه. إذاً أين المخرج من هذه الأزمة؟ لم يكن هناك مخرج لهذا استمرت المواجهة بين الأمّتين الإسبانية والأندلسية.
إن الحل المثالي القشتالي بالنسبة للأندلسيين هو إبادتهم عن بكرة أبيهم لكن تحقيق هذا الحل كان مستحيلاً لأسباب عسكرية ودولية ومحلية عدّة. صحيح أن المغاربة والعرب الآخرين والعثمانيين المسلمين لم يكونوا مع الأندلسيين في صف المواجهة الأول، إلا أن كل هؤلاء كانوا في الصف الثاني. وكان على إسبانيا أن تأخذ هذا في الاعتبار دائماً ففي ذلك الوقت لم يكن أحد في أوروبة أو الشرق الأوسط يعرف متى يمكن أن يأسره الطرف الآخر. أما الحل الثاني الذي فكّرت به السلطة بعد تسليم غرناطة فهو طرد جميع الأندلسيين كما طردت اليهود، لكنّ هذا الحل أيضاً كان مستحيلاً لأسباب عسكرية واقتصادية ودولية عدّة. الحل الذي أرتأته السلطة في النهاية كان محاولة إجبار الأندلسيين على قبول واجبات قشتالية وحقوق أندلسية؛ على محاولة إقناع الأندلسيين بمعاملة القشتاليين معاملة نصرانية تفضيلية وقبول معاملة القشتاليين لهم كمسلمين. أي باختصار أن يتخيل الأندلسيون أنفسهم أخوة القشاتلة في النصرانية لكن أن يتصرفوا في الواقع كعبيد مسلمين. إذاً أين المخرج من هذه الأزمة؟ لم يكن هناك مخرج لهذا استمرت المواجهة بين الأمّتين، ولهذا كان تحقيق المعادلة التي أرادها الإسبان مستحيلاً ولهذا بدأ مفهوم التعايش يقترب من التلاشي. وعندما كشف الجانبان أوراق بعضهما البعض وعرف الأندلسيون الدور الحقيقي الذي كانت محاكم التحقيق تريد القيام به لمصلحة السلطة والمجتمع المدني القشتالي، لم يعد هناك خيار آخر سوى المواجهة النهائية فإمّا أن يدمّرالأندلسيون القشاتلة، أو أن يدمّر القشاتلة الأندلسيين. وكانت هذه الرغبة مُتبادلة والإصرار عميقا ًوالقرار نهائياً والتماثل تاماً وشاملاً باستثناء اختلاف واحد حاسم هو نوع السلاح الذي استخدمه الطرفان.
٣)- صراع الحضارات
يجب أن يكون واضحاً تماماً أن رغبة الأندلسيين على مر العصور في استعادة بلادهم من الإسبان اصطدمت دائماً بضعفهم العسكري لذا لم يملك الأندلسيون في أي وقت تلى انهيار غرناطة القوة التي كانت ستسمح لهم بتحقيق انتصار عسكري شامل. صحيح أن القضاء على الثورة الأولى تطلب جهداً عسكرياً كبيراً من فرناندو، وصحيح أن القضاء على الثورة الأندلسية الكبرى تطلب من فيليب الثاني حشد قوات لم يكن يتصوّر أنه سيكون في حاجة إلى حشدها إلا لقتال دولة مثل فرنسا، لكن النتيجة لم تكن أيضاً محل شك. العامل الوحيد الذي ربما كان سيغير الميزان العسكري هو تدخل العثمانيين على نطاق واسع في إسبانيا (200-300 ألف جندي و300-400 سفينة) وهذا لم يكن ممكناً بسبب المشاكل اللوجستية الهائلة التي كانت ستنجم عن مثل هذا التدخل.
وحتى عندما تجاوز العثمانيون هزيمتهم في ليبانت عام 1571 وساهموا في الانتصار العظيم الذي حققه المغاربة على البرتغال في معركة القصر الكبير عام 1578 اختارت الدولة العثمانية توجيه آلتها الحربية الهائلة إلى الصفويين في إيران بدلاً من احتلال إيطاليا وارتكبت بذلك واحداً من أهم أخطائها التاريخية. وكانت إيزابيلا تعرف أن الغرناطيين لن يحصلوا على أي مساعدة مهمة من الخارج عندما جرّت الأندلسيين الغرناطيين إلى ثورة كانت تعرف أنها ستخرج منتصرة منها، وكان فيليب الثاني يعرف أن العثمانيين لن يتدخلوا على نطاق واسع عندما جرّ هو الآخر الغرناطيين أنفسهم إلى ثورة ثانية كانت نتيجتها النهائية معروفة سلفاً.
وفي الفترة بين هاتين الحربين، ثم بعد ذلك باستثناء سنة التغريب، لم يكن احتكام الأندلسيين إلى السلاح ممكناً، ولم يعد احتكام القشاتلة إلى السلاح ضرورياً فاشتبك الطرفان في حرب إبادة لا تقل ضراوة عن الحرب العسكرية السابقة كان سلاحها الإرادة، وكان هدفها الاستئصالي واحداً وواضحاً: إما أن يسحق القشاتلة إرادة الأندلسيين أو أن يسحق الأندلسيون إرادة القشاتلة. وبينما كان السلاح واحداً (الإرادة) كانت الذخيرة المستعملة مختلفة ومرنة ومتغيرة استجابت لحالات بعينها في فترات بعينها.
وربما بدا لبعضنا اليوم أن صدور مراسيم ملكية وأمبراطورية وإرادات بابوية تمنع الأندلسيين من التخاطب بالعربية أو ارتداء الزي الأندلسي أو الوقوف في اتجاه القبلة أو تمنحهم الغفران إذا اعترفوا ”بذنوبهم“ الإسلامية مجرد أشكال تقييدية تعرف السلطة أنها لا تستطيع فرضها على الأندلسيين. فكيف كانت السلطات ستمنع البنت الأندلسية من التخاطب بالعربية مع أمّها في البيت وهما تطبخان عشاء الأسرة؟ وكيف كانت السلطة ستعرف من يقف في اتجاه القبلة في الليل أو في الجبال بعيداً عن عيونها؟ إنّ إعادة النظر في مثل هذه القيود وغيرها المئات ستكشف هدفاً نهائياً هو إخراج الأندلسي من خندقه الإرادي الديني والاجتماعي والحضاري أولاً، ثم قطع حبال الصلة واحداً واحداً مع رموزه الدينية والحضارية ثانياً، ثم إحلال الرموز القشتالية والكاثوليكية محل الرموز العربية والإسلامية. ويجب أن يكون واضحاً هنا أن قشتالة زجّت خلال أكثر من 100 عام طاقات هائلة لتحقيق هذه الغاية قادتها محاكم التحقيق بدعم شبه شامل من المجتمع القشتالي وكنيسته وملوكه وحكومته.
ولم يكن واضعو هذه الاستراتيجية يشكّون في البداية في نجاحها لأنهم طبقوها بنجاح شبه شامل على اليهود وبنجاح كامل على المواطنين الأصليين في أميركا الجنوبية. لكن بدأ يتضح بعد الحرب الأندلسية الأولى أن التجربة اليهودية لا يمكن تطبيقها على الأندلسيين على رغم الامكانات التي خصصتها قشتالة لهذه الغاية. ووجد الإسبان بعد ذلك أن التجربة التي أدت إلى تحقيق نجاح هائل في العالم الجديد حيث تكثلك ملايين الهنود (الحمر) بجزء بسيط من الجهد المُخصص لكثلكة الأندلسيين، لم تكن أيضاً مجدية مع الأندلسيين في إسبانيا الذين كانوا ”يرجعون إلى بيوتهم من الكنيسة بعد إقامة القدّاس“، كما تقول الأندلسية خوانا هرنانديث، ”وهم يشعرون أنهم باتوا أكثر انتماءً للعروبة مما كانوا قبل الذهاب إلى الكنيسة“.
لماذا يا ترى؟ لأن الذخيرة المعنوية والدينية والحضارية التي استخدمتها قشتالة في الحرب ضد الأندلسيين لم تكن بفاعلية ذخيرتها الحربية، لذا لم يقتنع الأندلسيون بعد 100 سنة من التبشير الاضطهادي القسري بأن الكاثوليكية القشتالية أفضل من الإسلام، وبأن اللغة القشتالية أكثر تعبيراً من العربية، وبأن لحم الخنزير أفضل من لحم الضأن، وبأن شرب الخمر أفضل من شرب الحليب بالعسل، وبأن السروال القشتالي أفضل من السروال الأندلسي، وبأن مسح المؤخرة بورقة أفضل من غسلها. وباختصار خرجت قشتالة من معركتها العسكرية ضد الأندلسيين بانتصار كبير، لكنها خرجت من معركتها الحضارية والدينية مع الأندلسيين بهزيمة كبيرة لم تعترف بها إلى بعد قرن من المحاولة فعادت ولجأت إلى الحل الوحيد الذي تعرفه جيداً وهو القضاء العضوي على خصومها بالقتل أو التغريب. وباختصار أيضاً كانت قشتالة عملاقاً عسكرياً فيما كان الأندلسيون أقزاماً، لكنها كانت قزماً حضارياً جديراً بالاحتقار في عيون الأندلسيين الذين نظروا دائماً إلى القشاتلة على أنهم محتلون لأرضهم ولم يتمكّنوا من غرناطة إلا بالخديعة والمكر.
وتتجلى هذه الرؤية في ما يخاطب به القائد الأندلسي ابن أميّة رسولاً قشتالياً قبل إعلان الثورة الأندلسية الكبرى: ”الا تعرف أننا في إسبانيا، وأننا ملكنا هذه الأرض 900 سنة؟“،3 ثم تتجلى بعد القضاء على الثورة بما سجّله كاتب أندلسي موريسكي: ”نظراً إلى عدم استطاعة (الإسبان) شد قلوب الأندلسيين الموريسكيين بعيداً عن عقيدتهم الصلبة وجلبها إلى دينهم الشيطاني (النصرانية)، فإن البعض كان يقترح إبادتنا جماعياً، فيما أراد البعض الآخر خصينا بقضيب أحمر مُحمّى في مكان من الجسم حتى لا ننسل ونفنى كأن في يدهم القدرة على تغيير ما أملته العناية الربّانية الأزليّة“.4 وفي المقابل رأى الإسبان الأندلسيين من منظار العداوة لهم والصداقة مع أعدائهم العثمانيين والمغاربيين والبروتستانت والفرنسيين. وكان كثيرون من المخلصين الإسبان يطالبون بزيادة الجهد لمساعدة الأندلسيين على التنصّر وينادون بالصبر والاعتدال، إلا أن كثيرين غيرهم كانوا يرون في استمرار ذلك الجهد عبثاً ونفقات لا يمكن تسويغها. وساق هؤلاء لتأكيد استنتاجاتهم أمثلة لا تُعدّ ولا تُحصى منها مثلاً أن الأندلسيين كانوا يذهبون إلى الكنيسة لتفادي عقوبات محاكم التحقيق لكن ما أن يرفع الكاهن القربان المُقدس حتى يدير الأندلسيون ظهورهم إليه ويؤدّون حركات ”مخلّة بالحياء“، بل تجرأ ”أحد الكلاب الملعونين من هؤلاء الكفّار (أي الأندلسيين) اثناء قدّاس على رمي القربان المقدس بقطعة قماش قديمة فيها فضلات بشرية“.5 ووجد مبعوث لمحكمة التحقيق بعد التقاء كهنة كثيرين إجماعاً على الشكوى من ”سوء أدب“ الأندلسيين لكنّه خصّ السيدات الأندلسيات اللواتي كن يأتين إلى الكنيسة محجّبات ويرفعن أصواتهن خلال القّداس أو يقرقرن أو يجلسن جلسة لا احترام فيها للكنيسة ولا لراعيها. ويجب الا يُفسر هذا على أنه احتقار للكاثوليكية بل تعبير عن احتقار أساليب الإسبان، ونوع واضح من أنواع الاحتجاج على سوء المعاملة التي كانوا يلقونها على أيديهم خصوصاً بعدما أصبحت الكنيسة رمزاً صارخاً من رموز اضطهاد الأندلسيين.
٤)- حرب الإرادة
وبدأت مناوشات هذه الحرب الحضارية والدينية منذ الأيام القليلة التي لحقت بتسليم غرناطة، ثم بدأت بعد ذلك تأخذ أشكالاً دينية وثقافية واجتماعية وعسكرية وعصيانية. ولم يعد الأندلسيون قادرين على ممارسة دينهم وثقافتهم وعاداتهم علناً فصاروا يمارسونها بعيداً عن عيون محاكم التحقيق والكنيسة والقشاتلة، ولم يكن الأندلسيون قادرين على بناء دولتهم في العلن فبنوها عبر شبكة سرية هائلة من المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية، تضمّنت في بعض مراحلها، وفي صورة أكثر سرّية، جمع الأسلحة والتدريبات العسكرية.
ولو كان الأمر يتعلق بقشتالة وحدها فربما كانت اندفعت إلى حرب شاملة مع الأندلسيين بصرف النظر عن النتائج العسكرية والاقتصادية التي كانت ستنجم عنها، إلا انه كان على إيزابيلا أن تأخذ في الاعتبار ليس مصالح النبلاء في قشتالة ومملكة غرناطة فقط بل أيضاً مصالح زوجها فرناندو ملك أرغون. وخلال عهد فرناندو ومن جاء بعده ظلّ الأندلسيون قوة كبيرة في أرغون اعتمد عليهم استقرار اقتصاد تلك المملكة ورخاء عدد كبير من نبلائها. ولم يكن إضعاف ذلك الاقتصاد واستفزاز مراكز القوى في أرغون عملاً حكيماً في الوقت الذي احتاجت فيه إسبانيا إلى المحافظة على طاقتها ووحدتها لمواجهة العثمانيين والفرنسيين وأمراء حركة الاصلاح الديني البروتستانتي في ألمانيا. وهكذا لجأت قشتالة إلى محاكم التحقيق لتفتيت إرادة الأندلسيين شيئاً فشيئاً ودفعهم إلى اليأس من الصمود إلى ما لانهاية. وقابل الأندلسيون هذا الجهد بالسعي إلى زيادة لحمتهم وفق ما تسمح به الظروف، والارتداد إلى دينهم وتاريخهم وحضارتهم وعروبتهم وكل الرموز الأخرى التي باتت أهم أسلحتهم وآخرها حتى اللحظات النهائية من وجودهم في إسبانيا.
ويوجد إجماع لدى معظم المؤرخين الذين وضعوا مئات المؤلفات عن تغريب الأندلسيين من إسبانيا في مطلع القرن السابع عشر على أن التغريب (نفي أو طرد أو إبعاد الخ…) قرار إسباني. إلا أن في تردد الإسبان وطول فترة التغريب وشروطه وبعض مواقف الأندلسيين أنفسهم ما يقود إلى استنتاج مختلف هو أن قسماً مهماً من الأندلسيين لم يكونوا أقل رغبة من معظم الإسبان في هجر بلادهم إلى مناطق أخرى يستطيعون فيها ليس فقط ممارسة دينهم وعاداتهم علناً بل أيضاً تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاستفادة من الفرص التي لم تكن متوافرة لهم في إسبانيا، ولن تكون متوافرة في إسبانيا مهما فعلوا. ولم يكن صعباً على معظم الأندلسيين إبراز الوثائق التي تثبت ذلك عبر 100 سنة من النهب والاضطهاد والملاحقة والتضييق الديني والفكري والاقتصادي والاجتماعي وانعدام الفرص الجيدة التي ربط الإسبان الحصول عليها بمجموعة من الشروط الدينية والعرقية انطبقت عليهم فقط.
وربما كان استنتاج بعض المؤرخين الإسبان بأن الحكومة وجدت نفسها مضطرة إلى طرد الأندلسيين الجدد ”لأنهم لم يقبلوا ديننا الكاثوليكي الطاهر“ جهداً ضائعاً أحد أهدافه غسل الضمير من عار تلك العملية البائسة وحشد تعاطف الكاثوليك الآخرين وتفهمهم لذلك القرار. ولا بأس في استنتاج مثل هذا لأنه يبقى مجرد رأي والرأي ليس فرضاً إلا أن الانتقاد الأول الذي يمكن أن يُوجه إليه هو العودة إلى استغلال الكاثوليكية لإخفاء الأسباب الأخرى التي كانت أهم بكثير من العامل الديني.
إن الانطباع بأن الأندلسيين في إسبانيا القرن السابع عشر كانوا بقايا المحتلين المسلمين الأوائل وهمٌ في عقول بعض العرب المشارقة فقط. الأندلسي لم ير نفسه هكذا. الأندلسي رأى نفسه صاحب أرض عاش عليها ٠٠٩ سنة وصاحب بيت ضمّه وضم أباه وجده وربما جد جده إلى ما لانهاية، لذا له حق في استمرار البقاء في إسبانيا يعادل حق الإسباني إن لم يتفوّق علىه. إن أحفاد الآيبريين والآيبريات الذين كانوا يعيشون في بلنسية وغرناطة والمرية ومرسية وطليطلة ومئات المدن الأخرى قبل الفتح العربي الإسلامي ليسوا فقط النصارى الذين كانوا يسكنون المدن نفسها في القرن السابع عشر، بل الأندلسيون أيضاً. من أين جاء جنود طارق بن زياد وموسى بن نصير بزوجاتهم؟ من الآيبريات. ومن كان أبناؤهم سوى أبناء الآيبريات اللواتي كن يعشن في شبه الجزيرة آنذاك؟
إذاً كان هناك دينان في إسبانيا هما الكاثوليكية والإسلام، لكن كانت هناك أيضاً قوميتان لكل منهما ميزات وخصوصيات متفرّدة، وبينهما دائرة تلاق محدودة أمكن من خلالها تعايش أبناء القوميتين وفق الشروط والضغوط الدينية والاقتصادية والاجتماعية التي عرضنا بعضها في مكان آخر. ولا يمكننا من موقعنا الزمني الحالي تقديم تصوّر عن طبيعة العلاقات بين الأندلسيين والإسبان لو لم تعصف المشاكل السياسية والدينية والعسكرية بممالك كارلوس الخامس وابنه من بعده في أوروبة. لكن يمكن القول ان الأندلسيين عرفوا حدودهم وقوتهم العسكرية وحاولوا التصرف كمواطنين صالحين والتعايش مع أدنى حدود الحريات الدينية والاجتماعية، وسددوا دائماً ثمن هذه الحريات نقداً أو دعماً أو تعاوناً حتى مع محاكم التحقيق.
ومع ذلك فاقت الأمور في حالات عدّة حدود الاحتمال وأدت إلى ثورتين رئيسيتين وانتفاضات عدّة اشترك في إحداها نحو 130 ألف أندلسي، إضافة إلى انتفاضات أخرى رافقت تغريب الأندلسيين. ولو درسنا أسباب كل تلك الثورات والانتفاضات لوجدنا أن الإسبان دفعوا الأندلسيين إلى كل واحدة منها عن سابق إصرار وترصّد. فالإسبان هم الذين زاحموا الأندلسيين على اقتصادهم، وهم الذين صادروا أراضي الأندلسيين، وهم الذين أحرقوهم وسجنوهم وفرضوا عليهم محظورات بلا نهاية في لوائح بلا نهاية كان أولى بالإسبان اعتماد بعضها مثل الإغتسال مثلاً أو ارتداء قميص نظيف يوم الجمعة بدلاً من اعتبارها جريمة تستحق مصادرة الأموال.
وعندما أخفق الأندلسيون في الحصول على الحد الأدنى من الحريات علناً أعطوا لنفسهم كل الحريات التي يريدونها في السر فصار سلوك المجتمع الأندلسي أشبه بجبل الثلج العائم في البحر- قسم صغير منكشف على عيون محاكم التحقيق ومعظم الإسبان، وقسم أكبر منه بكثير تحت الماء أو في الخفاء، تحوّل مع الزمن ومع تحسّن التنظيم إلى ما يشبه الدولة الأندلسية الإسلامية العربية السرّية. وكما يفعل كل المُضطهدين، سعى الأندلسيون مدفوعين بالرغبة في البقاء والاستمرار إلى التحالف مع كل الجهات التي تستطيع المساعدة سواء كانوا أهل الساحل المغاربي أو العثمانيين أو الفرنسيين أو البروتستانت. لكن هذا حدث في مرحلة لاحقة لأن الأندلسيين حاولوا قبل ذلك مساعدة المجتمع الإسباني على تغيير تعامله معهم من دون جدوى، واتضح بعد 100 عام من التجربة عقم كل هذه المحاولات لاستمرار تعايش من نوع ما، ووصل الجانبان إلى طريق مسدود، ولم يعد احدهما قادراً على تقديم التنازلات التي يريدها الآخر لأن جعبة الأندلسيين من التنازلات كانت خوت تماماً ولم يبقَ شيء يستطيعون التنازل عنه والاستمرار في استبقاء الحد الأدنى من الكرامة والوجود.
٢- تغريب الأندلسيين من اسبانيا: الاعتبارات الأندلسية
١)- 100 عام من النهب
في استطاعتنا اليوم اعتماداً على الأبحاث الجديدة المتصلة بالأندلس تقديم الدافع الاقتصادي على الدافع الديني الكاثوليكي لتفسير اجتياح الجنوب الأندلسي، بل ربما وضع الدافع الديني جانباً في الحالات التي عيّن فيها ملوك إسبانيا أنفسهم ملوكاً على الملل الكاثوليكية والإسلامية واليهودية. ويجب أن نلاحظ ونحن نتحدث عن سقوط الأندلس ان وديان أنهر دويرة وإبرة وشقّورة والوادي الكبير لم تكن فقط مواطن المسلمين بل أيضاً مواطن الثروة والانتاج. وعمل الإسبان في الزراعة والصناعة والتجارة والتمويل مثلهم مثل الأندلسيين أو اليهود، غير أن باقي الإسبان، سواء في القرن الثالث عشر أو في القرن السادس عشر، كانوا إما جنوداً في جيوش إسبانيا في العالمين القديم والجديد، أو كهنوتيين في 18000 دير وكنيسة وظّفت أكثر من 200000 شخص من أصل نحو ثمانية ملايين نسمة. ولم يكن هناك فرق كبير بين مهمة الجندي والكهنوتي فكلاهما كان يعتقد أنه يخدم الكاثوليكية والملك والبلاد في آن، وكلاهما كان غير منتج اقتصادياً. وحتى المشتغلون منهم بالزراعة - عماد اقتصاد كل الدول الأوروبية في تلك الفترة - كانوا ذوي انتاجية ضعيفة كما يعترف الإسبان أنفسهم، لذا لم يشجع النبلاء المزارعين الأندلسيين على العمل في ضيعهم فقط بل عملوا على تحفيزهم وحمايتهم من السلطة في الحالات التي تمكّنوا فيها من ذلك.
وكان من بين الأمّة الأندلسية، إضافة إلى ما عرضناه، الأثرياء الكبار والمتمولون والتجار وأصحاب مصانع الحرير وتكرير السكّر والصابون وملاك الكروم والأراضي الواسعة التي يُزرع فيها الرز وآلاف المشتغلين بالتأليف والمحاماة والبيطرة والطبابة حتى أننا نجد الحاكم العام في مدينة طليطلة يشتكي الى البلاط الملكي عام 1607 من ارتفاع عدد الأندلسيين الذين يدرسون الطب في مدرسة طليطلة ويحذر من استغلال الأندلسيين هذه المهارة لقتل المسيحيين. لكن ألا يغالط هذا الحديث السابق عن تردي أحوال الأندلسيين؟ والجواب هو النفي إذ علينا أن نتذكر أن الأندلسيين ملكوا المهارات التي مكّنتهم من تجاوز النكسات التي تعرضوا لها عبر تاريخهم. وحتى في بعض المناطق الفقيرة التي نفاهم إليها الملوك نرى كثيرين منهم يعودون إلى تحقيق مستوى مقبول من العيش، بل وبناء الثروة بفضل ما اشتهروا به من حرص في الإنفاق وقدرة على جمع المال ومهارة في إحياء موات الأراضي الزراعية التي أهلكها القشاتلة. ونجد ان الحكومة الإسبانية التي نفت معظم الأندلسيين من غرناطة بعد الثورة الكبرى وهددتهم بالقتل ان اقتربوا من المدينة، تغيّر موقفها وتسمح لهم بالعودة إلى تلك المملكة بعد عشر سنوات من النفي بأعداد كبيرة لأنهم كانوا ”أصحاب الحوانيت والخبّازين والقصابين وأصحاب الحانات وحملة الماء وبهذه الطريقة يجمعون المال ويخفونه كله فلا يشتري أحد منهم العقار ولا يملكه ولذا فهم أغنياء جداً وأقوياء جداً“.
وتباينت حظوظ الأندلسيين الاقتصادية من مكان إلى آخر فكان وضع سكان أرغون وغرناطة أفضل من وضع الأندلسيين في مدن وقرى القشتالتين القديمة والجديدة، وكان الأكثر فقراً من الفئتين الأخيرتين سكان قشتالة الجديدة (مناطق مدريد ووادي الحجارة وطليطلة وقونقة والمدينة الملكية) إذ عاشوا في هذه الرقعة التي تُعتبر من بين أنحس بقاع إسبانيا وأجفّها في وضع نفي أو قريب من النفي، وتحت إقامة جبرية أو قريبة منها. ومع الزمن انضم إلى هؤلاء الفقراء عدد كبير من الأندلسيين الذين بدأت محاكم التحقيق تصادر أموالهم وأملاكهم لأسباب يبدو بعضها تافهاً، أو توقيع غرامات مالية في حقهم. وتحولت هذه المصادرات إلى عملية نهب منظمة انتقل خلالها قسم كبير من ثروة الأندلسيين وأراضيهم إلى الخزانة الحكومية أو صُرفت على محاكم التحقيق. ومن سلم من الأندلسيين من هذه المعرات وجدوا انفسهم مضطرين إلى تقديم مبالغ كبيرة جداً إلى الملوك ثمناً لبعض الحريات، أو تقديم مبالغ أقل الى النبلاء والرسميين والمتنفذين وبعض عمّال محاكم التحقيق في شكل رشاوى وعطايا وهدايا ثمناً للسلام أو إبعاداًً للشرور والتضييق وغيرها من الاسباب المماثلة كثير.
وكان من الممكن أن يعود عدد كبير من الأندلسيين إلى تحسين أوضاعهم الاقتصادية وبناء ثرواتهم المنهوبة لكن مساعيهم اصطدمت في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن بعده بتردي الاقتصاد الإسباني نتيجة عدد من السياسات الداخلية والخارجية التي اتبعها فيليب الثاني. فداخلياً أدّت طريقته في قمع الثورة الأندلسية الكبرى وما تبعها من نفي قسم كبير من الغرناطيين إلى إلحاق أضرار بالغة باقتصاد مملكة غرناطة. وساهمت القيود التي فرضها على النبلاء الأقل وزناً المعروفين باسم Hidalgos في تضييق فرص التحسّن الاقتصادي فبدأوا يهاجرون إلى العالم الجديد. كما تسبّب تدفق الفضة إلى إسبانيا في ارتفاع الأسعار ووصول التضخم الى مستويات فاحشة في وقت بدأت فيه النفقات العسكرية تسجل زيادات حادة. وبدلا من خفض الضرائب في أوقات الشدّة هذه لتعزيز السيولة وزيادة الإنفاق عمد فيليب الثاني إلى زيادة الضرائب7 فتعمّقت الأزمة الاقتصادية ووجد فيليب الثاني نفسه مضطراً إلى إعلان إفلاسه مرة ثم ثانية.
وتوافق ارتفاع النفقات الحربية مع تغيّرات جذرية في طبيعة الاقتصاد الاسباني سببت هي الأخرى أزمات اقتصادية خانقة. وسبب ذلك أن الحركة التجارية التي قامت بين إسبانيا ومستعمراتها في العالم الجديد تركّزت على سد حاجات المستعمرات من الثياب (حتى لو عن طريق إجبار الهنود على ارتداء السراويل الصوفية) والقمح والزيت والخمور والمواد الأخرى المُنتجة أو المصنوعة في إسبانيا. لكن في نهاية القرن السادس عشر بدأت المستعمرات تغطي جزءاً مهماً من استهلاكها المحلي فضرب الكساد إسبانيا لأول مرة منذ اكتشاف العالم الجديد قبل 100 عام من ذلك.
وحدث شيء غريب بعدها إذ وافق انحسار صادرات إسبانيا إلى العالم الجديد ازدياد حصة هولندا التي ملكت أكبر أسطول تجاري في العالم آنذاك، وكانت سفنها تنقل الكمية الأكبر من البضائع إلى العالم الجديد. وعصت الأقاليم الشمالية من هولندا على فيليب الثاني وأعلنت انفصالها فمنع الملك الإسباني التعامل مع السفن الهولندية عام 1585 وقصر نقل البضائع على السفن القشتالية، ثم عاد وأكد منع الهولنديين ثانية من التعامل التجاري مع المستوطنات الأميركية عام 1595. ووجد الهولنديون المستقلون عن فيليب الثاني أن استمرار تجارتهم المربحة يقتضي كسر احتكار إسبانيا فبدأوا جهداً خاصاً تمكنوا بعده من فتح الأسواق في بعض المستعمرات الإسبانية وأتاحوا لحليفتهم انكلترا الاستفادة من تلك التجارة. وسعت حكومتا فيليب الثاني وابنه فيليب الثالث من بعده إلى تشجيع حركة تجارية أنشط في مستعمرات العالم الجديد، لكنهما وجدتا صعوبة في تحقيق ذلك لأن السوق بدأت تتقلص نتيجة الخلل السكاني الذي ضرب بعض تلك المستعمرات.
وبينما قدر عدد السكان المحليين المكسيكيين سنة استيطانها عام 1519 بنحو 11 مليون نسمة، نجد أن العدد انخفض في نهاية القرن السادس عشر إلى نحو المليونين فقط. وحدث ذلك نتيجة السياسة العنصرية التي انتهجتها إسبانيا هناك وتفشّي الأمراض التي حملها الإسبان إليهم وتسخير السكان المحليين للعمل في المزارع ساعات طويلة مما أدى إلى انهاكهم وموت أعداد كبيرة منهم فتقلص الاستهلاك وارتفعت كلفة انتاج المواد والمعادن التي كانت تُنقل إلى إسبانيا.
وفي القسم الأخير من القرن السادس عشر تعرضت إسبانيا إلى جفاف خطير. وتبع الجفاف انتشار الطاعون شمال البلاد عام 1596، ثم امتدّ الطاعون بعد ذلك جنوباً فحصد بين عامي 1599 و1600 نحو 15 في المئة من السكان. وعندها ساد الذعر وارتفعت الأسعار، ونزلت بالاقتصاد ضربة عنيفة استمر تأثيرها فترة طويلة. وتحسنت التجارة مع المستعمرات في العالم الجديد بعد ذلك ووصلت أوجها عام 1608 لكن استفادة إسبانيا كانت قليلة لأن الهولنديين والانكليز والفرنسيين كانوا ينقلون القسم الأكبر من واردات المستعمرات.
وعمل الأندلسيون في إسبانيا في كل القطاعات الانتاجية والتجارية والخدماتية، لذا استفادوا جيداً من التجارة مع مستعمرات العالم الجديد في البداية. لكنهم بدأوا يعانون من الكساد الاقتصادي وتراجع الطلب على منتوجاتهم وخدماتهم في الوقت الذي استمرت فيه السلطة ومحاكم التحقيق في مصادرة أموالهم وممتلكاتهم وفرض الغرامات المالية الكبيرة عليهم. وفي السنوات القليلة التي سبقت التغريب، كان عدد كبير من الأندلسيين يعيش في الضواحي أو في الأحياء الفقيرة من عدد كبير من المدن الأرغونية والقشتالية مثل سرقسطة وابلة وجيان وسيمانقة وطرطوشة ومرسية وطليطلة وبلد الوليد ومئات المدن غيرها. وتدلنا التجربة أن الأحقاد العرقية والدينية تبرز أكثر ما تبرز خلال الضائقات المالية والكوارث الطبيعية، لذا اتسمت العلاقات بين الإسبان والأندلسيين في نهاية القرن السادس عشر وبداية السابع عشر بدرجة عالية من التوتر والريبة المتبادلتين.
) - 100 عام من الاضطهاد
بين استسلام غرناطة وصدور قانون التغريب 117 سنة لم تُرفع فيها المظلمة عن الأندلسيين يوماً واحداً فاتحدت السلطة ومحاكم التحقيق ومعظم رجال الكنيسة وجل الإسبان في جهد اضطهاد الأندلسيين. ونحو نهاية عام 1570 تمكن فيليب الثاني من إخماد الثورة الأندلسية الكبرى بعد قتل ما لا يقل عن ٠٢ ألف أندلسي وأندلسية ونفي عشرات الألوف وتحويل أعداد منهم إلى عبيد في بيوت الإسبان أو مجذفين في سفنهم. ولم يبق بعد كل هذا سوى رأس مولاي عبدالله بن ابيه مُعلقاً على بوابة غرناطة حيث بقي 30 سنة يذكّر بالنهاية التي تنتظر من يتحدى الملك.
وعاش عشرات الألوف من الأندلسيين في منافيهم الجديدة في القشتالتين الجديدة والقديمة أقليّة مقهورة بين غالبية متسلّطة وعانوا من المشاكل التي تعاني منها الأقليات في كل مكان إلا أنهم واجهوا أيضاً مشاكل اضافية فكان معظم الإسبان يعتبرها أقليّة مارقة على السلطة وعدوة للكاثوليكية ومستعدة للتعاون مع أعداء قشتالة في كل الأوقات. ولعبت عوامل سياسية ودينية وتاريخية واقتصادية مختلفة دورها المستمر في إذكاء الريبة بين الأندلسيين والإسبان، فلم يشعر الأندلسيون بالأمان بين القشتاليين، ولم يشعر القشتاليون بالأمان إن وجد الأندلسيون بينهم، ولم تسمح الحكومة والكنيسة ومحاكم التحقيق للفئتين النسيان والتناسي فعملت دائماً على إذكاء الشكوك وإحياء المخاوف وشحن الكره والعداوة.
ومع مرور الزمن تراكمت المراسيم والقوانين والقيود ولوائح الوشاية التي سعت في جملتها إلى فصل الأندلسي عن دينه وتاريخه وأهله ودفعه في اتجاه الكاثوليكية. وقاوم الجيل الأول قدر استطاعته فيما وجد أبناء الجيلين الثاني والثالث أنفسهم وسط عالم غير الذي عرفه آباؤهم فجهلوا الكتابة بالعربية وعجُمت ألسنتهم واختلطت عاداتهم، وسادت الأميّة وتفشّى المرض بعدما حرمتهم السلطة من المرافق العامة التي اعتادوا عليها، وأجبرتهم على التعايش مع القذارة. ومنعت السلطات معظم الأندلسيين في المنافي من مزاولة التجارة أو الاشتغال بالمهن فصاروا بغالين وحمّارين وفلاحين بالسخرة أو بأجر رمزي في مزارع القشاتلة وغيرها من وضيع المهن، وحظرت عليهم حمل السلاح (كان آنذاك رمزاً للأحرار فلم يكن ممنوعاً إلا على العبيد واليهود)، ورأت في أبسط المظاهر الأندلسية مروقاً ومعارضة للسلطة والكنيسة.
ووصلت القيود في بعض الحالات إلى حدود لا يمكن احتمالها فكان الأندلسي حين ينفرد بنفسه يتوجه إلى خالقه ويناشده المساعدة على التغلب على مخاوفه ويأسه، وصار البعض يعتقد أن الموت مسلماً كفيل وحده بتأمين الخلاص النهائي. لكن حتى هذا لم يعد ممكناً اعتباراً من عام ١٩٥١. فقبل هذا التاريخ كانت للأندلسيين مقابر خاصة لكن السلطات منعت الأندلسيين من دفن موتاهم فيها وخصصت لهم مناطق في الساحات المجاورة للكنائس التي كانت مساجد في الماضي شرط الموافقة على دفن المسيحيين فيها. ورضخ الأندلسيون لهذا الشرط على مضض لكن السلطات عادت وفرضت عليهم دفن موتاهم داخل الكنيسة نفسها.ولم يحتمل الأندلسيون هذا الوضع فعرضوا على فيليب الثالث دفع مبلغ ٠٣ ألف دوقة ذهبية لقاء السماح لهم بدفن موتاهم في مكان آخر حتى لو كان في المزابل لكنه رفض رفضاً قاطعاً.
ويلخص أحد الأندلسيين وضع أمّته بالقول: ”كنا مضطرين أن نظهر لهم ما كانوا يرغبون منا إظهاره،وما عدا ذلك كانوا يسوقوننا إلى محاكم التحقيق لاتباعنا الحقيقة. لقد حرمونا من الحياة والأملاك والأبناء، وزجوا بنّا في سجون مظلمة لأتفه الأسباب. ونظراً إلى سوء أفكارهم كانوا يبقوننا هناك سنين عدّة فيما يستولون على أملاكنا التي صادروها ويستغلوننا، ثم يقولون إن لذلك الفعل مبرراً، ويخفون وراء ذلك أفكارهم السيئة وسريرتهم الضالة. أمّا أطفالنا فإنهم عندما يصبحون يافعين يربونهم على شاكلتهم ويصبحون مرتدين، وإذا كبروا يسعون إلى الهروب. وإضافة إلى ذلك كان حكام محاكم التحقيق يفتشون عن كل الوسائل للقضاء نهائياً على هذه الأمّة“.
وكانت هذه الوسائل بلا نهاية، وكانت العقوبات تراكمية، وكانت تتصاعد في شدّتها مـع الزمن وتشمل الأحياء والأموات على سواء إذ توجد أمثلة كثيرة على نبش قبر من يُتهم بعد موته بالارتداد وجمع عظامه في كيس وإحراقها إلى جانب الأحياء في الاحتفالات التي كانت تجري بين وقت وآخر في المدن الإسبانية. كما توجد أمثلة عدّة على شمول العقاب أهل المتهم الذين تحرمهم محاكم التحقيق من التمتع بالحقوق المدنية أو تجبرهم على ارتداء لباس العار (Sanbenito) مدداً طويلة.9 وفي بعض الحالات كان الدير نفسه يُستخدم كسجن. ونحو نهاية القرن السادس عشر لم يعد الإرتداد وحده سبباً للحكم على المتهم أو المتهمة بالحرق إذ باتت محاولة الهروب من إسبانيا إلى العدوة أو فرنسا جريمة نهايتها الحرق، بل أن المؤرخ الكبير لورنتي يُعلمنا أن الحرق كان أيضاً عقوبة من يقرأ الكتب العربية.10 وتبدّلت حظوظ فيليب الثاني في آخر أيامه فأنزل به الفرنسيون والهولنديون والإنكليز هزائم ماحقة وساء حال الإسبان في أوروبة ودارت عليهم الدوائر فاهتزت ثقتهم بأنفسهم وبحثوا عن سبب اخفاقاتهم فيمن حولهم وبرّأوا أنفسهم من جرائر ما أصابهم وحمّلوها للأندلسيين وكانوا يعتقدون أن الله للكاثوليك فقط مثل الجنّة فصاروا يقولون إن هذه الهزائم عقاب من الله على وجود ”الكفار“ الأندلسيين بينهم. وهكذا تحوّل الأندلسيون إلى كبش فداء جاهز، وتأججت العداوة وتمحور الرأي العام ضدهم وتصلّب فرمت الحكومة من وراء تغريب الأندلسيين إلى تحقيق نصر عزيز لم تتمكن من تحقيقه في أي من صراعاتها الخارجية الكبيرة.
٣)- 100 عام من المواجهة
ربما لا يوجد وصف لصمود الأندلسيين أكثر من 100 عام في وجه واحدة من أعتى الممالك التي عرفها القرن السادس عشر، وفي وجه أكبر جهاز مخابرات ديني عرفه البشر، وواحد من أعدى شعوب الأرض سوى بأنه كان صموداً خارقاً. ويرافق هذا الوصف تساؤل دائم عن الطريقة التي استطاع بها الأندلسيون في وطنهم المُحتل التمسّك بدينهم وعروبتهم بعد أكثر من 100 عام من الحرق والتعذيب والقتل والاعدامات والتجويع والنفي والنهب المنظّم، وكيف تمكّنوا من الاستمرار وسط مجتمع كان بين الجنود والكهنوتيين فيه جمهور من الوشاة الذين ترصّدوا في جيرانهم الأندلسيين كل حركة أو كلمة فرأوا فيها إما خيانة لملك إسبانيا أو عداوة للمجتمع الإسباني أو طعناً في ”ديننا الكاثوليكي الطاهر“. إن خروج أندلسية أو أندلسي مسلم واحد من إسبانيا بعد أكثر من 100 عام من الاضطهاد أمر يبعث على الدهشة فكيف بخروج مئات الألوف اعتباراً من عام 1609؟ وبماذا يمكن أن نصف بعض الأندلسيين الذين لم يكفهم جهاداً المحافظة على دينهم وعروبتهم فنجدهم يحاولون إقناع بعض المسيحيين الإسبان بدخول الإسلام؟
ونستطيع العثور في كتب التاريخ الإسبانية ووثائق محاكم التحقيق على بعض الأسباب الظاهرة لذلك الصمود لكن الأسباب الحقيقية تكمن في قدرة الأندلسيين على الغوص في أعماقهم واغتراف الشجاعة التي مكنتهم من الصمود في البيئة العدوانية التي كانوا يعيشون فيها. وكان الإسبان يعرفون مكمن تلك القوة ومع ذلك لم يستطيعوا بعد 100 عام من المحاولة كسرها لأنهم لم يتمكنوا من اختراق عقولهم ولا قلوبهم. هذا لا يتمّ عادة إلا بالرحمة والتفهّم لكن إسبانيا ذلك الوقت لم تكن تتمتع بالقدر الكافي من الشعورين. ولا نستطيع بعد ٠٠٤ سنة من مرور تلك الأحداث أن نفهم تماماً ماذا كان يدور في خلد الأندلسيين لكن نستطيع أن نخمّن ونتصوّر المآسي التي تعرضوا لها خلال تلك الفترة المظلمة من تاريخ الأندلسيين في إسبانيا، بل من تاريخ الإسلام.
وواجه الأندلسيون مشاكل عمّت الجميع ومشاكل أكثر خصوصية انطبقت على تجمّع دون غيره، ووُجدت آلاف الحالات التي تطلّبت معالجة خاصة. وكانت المشكلة الأكبر بقاء التجمّعات الأندلسية على اتصال مع بعضها لتبادل آخر الأخبار ونقل الكتب الدينية والمساعدة على حل المشاكل التي واجهت بعض التجمّعات. ويبدو من المعلومات المتوافرة عن تلك الفترة أن الأندلسيين حلّوا هذه المشكلة من خلال إقامة عدد من أقنية الاتصالات التي كانت تتم مباشرة عن طريق إيفاد مبعوثين عن الأندلسيين، خصوصاً في بلنسية وأرغون، إلى فرنسا طلباً للمساعدة، أو إلى العثمانيين. ولعب البغالون والناشطون في النقل والتجارة بين الممالك الإسبانية داخل آيبرية دوراً ملحوظاً في تبادل المعلومات والأخبار بين التجمعات الأندلسية، وكان هؤلاء ينقلون الكتب الدينية المخبّأة في البضائع من مكان إلى آخر حسب الحاجة، أو يحملون المساعدات العينية والمالية إلى الأندلسيين المحتاجين.
وفي حالات أخرى كان الأندلسيون يؤون إخوانهم المطاردين من طرف الدولة أو محاكم التحقيق، أو الأندلسيين الفارين من منافيهم ريثما يرتّبون تهريبهم في القوارب التي كانت تنطلق ليلاً من جنوب الأندلس في اتجاه المغرب أو الجزائر، أو عبر الجبال في اتجاه فرنسا. وربما بقي على مناطق الحدود بعض هؤلاء، وربما انتقلوا بعد ذلك الى الساحل المغاربي أو الأراضي التي تسيطر عليها الدولة العثمانية. وبما أن عقوبة معظم تلك النشاطات كانت الحرق أو الشنق أو الشغل سخرة في السفن مدى الحياة، فقد اقتضى إتمامها سرّية تامة. وكان على المكلفين إداء هذه المهمات توقّع اعتقالهم في أي مرحلة من مراحل تنفيذ مهامهم وبالتالي كتمان معرفتهم بمصادر كتبهم أو مهامهم في كل الظروف.
وكانت أوضاع الأندلسيين في إسبانيا شديدة التفاوت ففي بلنسية كانوا يُعرفون باسم ”أمة المسيحيين الجدد من الأندلسيين في مملكة بلنسية“.11وكانت ممارسات هؤلاء أبعد ما تكون عن المسيحية إذ كانت لهم مجموعة من المساجد السريّة ضمن منظمة عُرفت باسم ”رابطة مساجد بلنسية“. وخارج بلنسيةعملت أعداد كبيرة منهم في الأرياف فلاحين وعنّابين لحسابهم الخاص أو لدى النبلاء والمتنفذين والكنيسة، وهؤلاء سيطروا على معظم الأراضي الزراعية في إسبانيا. وساعد الأندلسيين على استمرار قسم كبير من تنظيماتهم عدم وجود سلاطين وملوك وأمراء كبار يمكن أن يؤدي اكتشافهم إلى إلحاق ضرر كبير بالتنظيمات أو يمكن ان تغريهم السلطات أو تقسرهم على بيع جماعتهم. واستعاض الأندلسيون عن هذه الهرميّات السياسية التقليدية بمجالس صغيرة تمثّل مناطق معينة، مع وجود ضباط ارتباط بين هذه المجالس لتقرير القضايا الكبيرة. وكان من بين أهم هذه القضايا الحصول على المساعدة العسكرية والمالية الخارجية لمساعدتهم على التصدي لسياسات فيليب الثاني ومحاكم التحقيق، لذا كانت هناك سفارات كثيرة بين هذه المجالس من جهة وبين الفرنسيين والبروتستانت والعثمانيين. وتمكنت السلطات من كشف جانب من هذه النشاطات وأقر بعض من عذّبتهم محاكم التحقيق بوجود الاتصالات وطبيعتها لكن نطاق الضرر بالتنظيمات الأندلسية بقي محدوداً.
وساهمت هجرة الإسبان وأعداد من الأندلسيين إلى المستعمرات الإسبانية في العالم الجديد والحروب شبه الدائمة التي شنّها فيليب الثاني على أعدائه في كل مكان في خفض عدد سكان بعض المناطق الإسبانية فبدأت مجموعات من الأندلسيين هجر الأرياف إلى المدن القريبة، وقامت أحياء اقتصر سكانها على الأندلسيين. وكان قسم كبير من هؤلاء يعيش على خط الفقر أو دونه، وتطلبت مساعدتهم جهوداً خاصة لأسباب عدّة منها توزعهم في بلد شاسع مثل إسبانيا.
٣- تغريب الأندلسيين من اسبانيا: الاعتبارات الإسبانية
١)- 100 عام من الجهد الضائع
”كيف يأمل المرء أن يهدي إلى طريق السيد المسيح شعباً عنيداً قاوم التبشير للنصرانية والاضطهاد قرناً كاملاً، ولا يزال إخلاصه لقرآنه كما إخلاص العرب في المغرب؟ لقد كان الرهبان الذين انيطت بهم مهمة تعليم الموريسكيين مبادئ الكاثوليكية يعرفون تمام المعرفة أن هؤلاء، وإن مارسوا طقوس النصرانية، فإن هذه الممارسة لم تكن أكثر من مراءاة سببها الخوف من محاكم التحقيق. فمثلاً حين يكون عليهم الذهاب إلى الكنيسة في عيد الفصح للاعتراف، فإنهم كانوا يقدّمون أنفسهم بطريقة عالية الانتظام، لكنهم لا يعترفون بارتكاب أي ذنوب. ولم يُعرف عنهم أنهم توجهوا إلى القساوسة بطلب المساعدة حين يمرض أحدهم خوفاً من حضور القساوسة بصفتهم الرسمية، لذا تستّروا على مرضاهم وتعرض الجميع ”إلى موت مفاجئ“ كما كانت الأسرة تدعي وهي تمكر. أضف إلى ذلك أن عددهم لم ينقص مذ طردهم فيليب الثاني من مملكة غرناطة (عام 1569)، بل حدث العكس وازدادوا عدداًً لأنهم امتنعوا عن اللحاق بالجيش أو حتى الانخراط في خدمة الكنيسة، وأكثروا من إنجاب الأطفال وربوهم على كره المسيحية“.
هذا، باختصار، هو رأي الإسبان في الأندلسيين. وهذه، باختصار، قصة الإسبان مع الأندلسيين: فيها انتصارات كثيرة لكن فيها إخفاقات كثيرة أيضاً وجهد ضائع صرفته الكنيسة ومحاكم التحقيق على كثلكة الأندلسيين. ولا بدّ أن ملايين الإسبان كانوا يشعرون بالحيرة من نجاحهم الهائل في المستعمرات في العالم الجديد حيث نصّروا الملايين، ومن إخفاقهم الهائل في إسبانيا. فبعد أكثر من 100 عام من التبشير القسري ظل الأندلسيون ”لا يأخذون الماء المقدس إذا دخلوا الكنيسة، ولا يرسمون علامة الصليب. لقد كانوا مثل الشيطان وأشد أعداء المسيح… وكنا فرضنا عليهم الخوف، الا أننا نلاحظ قلة إيمانهم لحظة رفع القربان المقدس، إذ يقطّبون جباههم وينزلون رؤوسهم ويحولون وجوههم بعيداً، ويدفعون أولادهم الى البكاء ليزيدوا القاعة ضوضاء. بل هناك حادث خارق للعادة تمثّل في حمل أحدهم السبحة وهو في الكنيسة!“.
إن دراسة التاريخ تقود أحياناً إلى الاستنتاج بأن الأمم المهزومة توجه نقمتها إلى الداخل لخلق التوازن النفساني المطلوب للتغلّب على روح الهزيمة، أو تغرق في الرذيلة وتمضي في طريق الانحلال الخلقي، أو تلجأ إلى موجة من الورع والتعبد وتعميق الحس الديني المشوب بالمهانة القومية. وهذا ما حدث في إسبانيا بعد هزائم نهاية القرن السادس عشر حين بدأت الكنيسة تبشّر بدعوة شاملة للخلاص من الذنوب والعودة إلى الكنيسة، وتنظر إلى الهزائم على أنها إنذار بنكبات أفدح وعقاب على ابتعاد الناس عن دينهم. وخرجت الكنيسة بعد الهزائم لتقول إن أسباب هذه الهزائم وجود عناصر في قشتالة تدعي النصرانية جهراً وتضمر الإسلام. وتقول إن طرد اليهودية من آيبرية لم يكتمل بعد، لأن أعداداً منهم بقيت في البرتغال التي ضمها فيليب الثاني إلى ممالكه بالقوة عام 1580، وإن وجود مثل هؤلاء سبب الغضب الإلهي على قشتالة. وبارتفاع عدد المصائب التي تعرضت لها البلاد في آخر ذلك القرن، مثل الأزمات الاقتصادية وانتشار وباء الطاعون، كانت الكنيسة تضم إلى صفوفها مؤيدين جددا نادوا بنفي الأندلسيين إذا أريد لإسبانيا أن تحقق النصر الذي تريده لنفسها وللكنيسة. وتضافرت جهود رجال الدين والكتّاب لتأليب الرأي العام على الأندلسيين. فقبل بدء تغريب الأندلسيين أصدر خوان دي ربيره Juan de Ribera رئيس أساقفة بلنسية (1533-1611) أوامر إلى مطرانيته بوقف المناولة للأندلسيين بعد تقاطر الشكاوى من سوء تعاملهم مع الطقوس الكنسيّة.ودعم الكتّاب هذا الموقف فسجّلوا قبل تغريب الأندلسيين وبعده انتقاداتهم للأندلسيين ووصفوهم بأنهم ثعابين وضفادع وذئاب وعقارب وحيوانات سامة.
واكتشف هؤلاء أن الأندلسيين لم يصبحوا نصارى في حياتهم إذ تحدثوا عن الكاثوليكية لكنهم ظلوا مسلمين ممتازين. ويلخص بارونات القصة كلّها بالقول: ”لم يكن لدى الموريسكيين أي رغبة في أن يصبحوا مسيحيين، فكل ما يتمنونه هو النجاة من محاكم التحقيق“.14 إلا أن المشكلة لم تكن دينية فقط إذ حسد القشاتلة الأندلسيين دائماً على صنعتهم وجدّهم في العمل، واستكثروا أن يتمكن هؤلاء من جمع المال بعد كل الضغوط التي يتعرضون لها. ونجد مثالاً جيداً على هذا الموقف من عرض الآتي: ”إن انتاجيتهم (أي الأندلسيين) عالية جداً. وعلى رغم مجيئهم الى قشتالة (من غرناطة بعد نفيهم عام 1569) قبل عشر سنوات فقط من دون أن يملكوا شبراً من الارض، وعلى رغم عقم تلك السنين فانهم أصبحوا متنفذين، وصار كثيرون اغنياء إلى درجة انه يمكن ان نتوقع بعد ٠٢ سنة من الآن أن يعمل المواطنون الأصليون في خدمتهم“.
٢)- الحالة العامة
كان حظ الأندلسيين أن تحمّلهم قشتالة أسباب إخفاقها على سائر الجبهات لأنهم كانوا في متناول اليد، ولأنهم كانوا أقلية تتمتع بنفوذ سياسي ضئيل جداً، ولأنهم كانوا عموماً فقراء عاجزين عن مد الحكومة تلو الأخرى بالمال الذي تريده، ولأنهم أصروا على شخصيتهم المستقلة في وجه كل الضغوط التي استمرت أكثر من قرن من الزمن. وعندما كان الأمر يتعلق بالأندلسيين فان التاريخ القشتالي كان يعيد نفسه، فكانت المخاوف القومية والدينية والاجتماعية تجد متنفسها في اضطهاد الأندلسيين. وكانت تطورات آخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر تذكر كثيراً بوضع قشتالة في آخر سبعينات القرن السادس عشر ذلك أن متاعب قشتالة مع الهولنديين والإنكليز لم تنته، وأصبحت أرغون ثانية من أصعب الممالك التابعة لقشتالة، وتوج ذلك بإعلان الثورة هناك سنتي 1519 و1592، ولم يكن هناك حل سوى تسيير الجيوش إلى أرغون وقمع الثورة في مدينة سرقسطة. وبما أن العمليات العسكرية كانت مستمرة مع الأتراك والساحل المغربي كان من الطبيعي أن تُثار بين الحين والآخر مسألة مساعدة الأندلسيين الجدد للعثمانيين أو المغاربة ضد إسبانيا.
وفي تلك الحقبة كانت المضاعفات النفسانية للهزائم التي حاقت بإسبانيا تفوق بأضعاف التأثير الفعلي لتلك الهزائم. ووجد القشتاليون أن الحروب التي قادتهم إلى القمة تقودهم ثانية إلى الهاوية، وربما لم يكن بين جميع الممالك التي خضعت لقشتالة مملكة تعرضت لأزمات سياسية واقتصادية شبه مستمرة مثل قشتالة ذاتها. وبينما تحسّن وضع بعض تلك الممالك الجديدة استمرت إسبانيا تعاني من مشاكلها القديمة. وكان عهدا كارلوس الخامس وفيليب الثاني مليئين بالانتصارات الهائلة والهزائم الهائلة، لكن الأب وابنه تمكّنا من المحافظة على الإمبراطورية وتوسيع رقعتها عند توافر الظروف المناسبة.
وقبل أن يموت فيليب الثاني أبلغ إلى النبلاء أن كل ما يخشاه هو أن يصبح ابنه فيليب الثالث محكوماً لا حاكماً. وتحقق توقّع فيليب الثاني بعد موته إذ راح دوق ليرما يدير شؤون البلاد، فيما تفرّغ فيليب الثالث للاستمتاع بالدنيا والجلوس أمام دييغو فلايثكويث (فيلاسكويز) لرسمه واقتناء اللوحات الفنية والمفروشات الكلاسيكية من إيطاليا وبناء القصور الفاخرة. وكانت متاعب إسبانيا وقتها أعمق من أن يحلّها دوق ليرما (أعظم لص في إسبانيا) فاستمر الإفلاس والتقهقر أمام البروتستانت فطلب الصلح من الإنكليز عام 1604، ثم توصّل مع الهولنديين البروتستانت إلى اتفاق مهين نص على التزام الطرفين هدنة تستمر 12 سنة اعتباراً من التاسع من نيسان (إبريل) عام 1609، ورأى الإسبان في الاتفاقين خضوعا كاثوليكيا من حامية الكاثوليكية للبروتستانت.
وكانت هذه التطورات كافية لتفقد قشتالة توازنها الذي قام على تحقيق الانتصار تلو الآخر، وكانت دافعاً للتوقف والتفكير في حال البلاد. ولم تستطع إسبانيا النهوض لمقارعة خصومها الخارجيين فانكفأت إلى ذاتها وساد التفكير بقدرية الأحداث وعبث الأيام كما صوره بعض أهم أدباء إسبانيا. هنا ظهرت شخصية عثمان الفراش17 المتنقل دائماً من مكان إلى آخر وهو يحاول أن يعيش ليومه من دون الحاجة لمعرفة ألم التفكير في الغد. وهنا ظهرت شخصية دون كيخوتي دي لا مانشا عام 1605 كما رسمها سيرفانتس - عجوز، مثل صانعها، يحارب العمالقة وطواحين الهواء وسط جو من الفروسية الخيالية والأعداء الخياليين، وبطل في زمن لم يعد يحتمل بطولة ولا أبطالاً. وكانت تلك الفترة فترة تكشف الحقيقة. الحقيقة بأن إسبانيا كانت فقيرة على رغم الفضة التي تتدفق عليها من العالم الجديد؛ ضعيفة على رغم اتساع ممالكها الهائلة؛ أول من يحس بالكوارث النازلة بها وآخر من يستمتع بالمجد الذي بحثت عنه؛ أول من زرع وآخر من حصد. ومن خلال بحث قشتالة عن ذاتها المضطربة في بداية القرن السابع عشر اتضح للكثيرين مدى تدنّي الروح المعنوية وبرزت حاجة هائلة لتحقيق انتصار ما. وتصور كثيرون أن نفي الأندلسيين سيكون الانتصار الذي يعيد إليهم الشعور بالعظمة، ويرفع معنوياتهم الهابطة. وهكذا سعت إسبانيا إلى تحقيق انتصار داخلي حين عجزت عن تحقيقه في الخارج، وكان الرأي العام الإسباني أكثر من مهيأ لتحقيق هذا الانتصار وتغريب الأندلسيين.
وخلال فترة الإعداد لتغريب الأندلسيين ارتفعت أصوات تنبه إلى خطورة مثل هذه الخطوة لكنها كانت أصواتاً قليلة وكانت المشاعر متضاربة: ”وقف البعض موقف إدانة لهذه القسوة المتطرفة التي كانت تبعد شعباً بأكمله عن موطنه الأصلي. لكن آخرين امتدحوا هذا العمل الذي لم يُظهر فقط تقوى ملكهم الكاثوليكي (فيليب الثالث) بل خلّص إسبانيا من هؤلاء النصارى المزيفين الذين كان أجدادهم سادة إسبانيا قروناً عدّة بينما استمروا في تعاملهم الخفي مع الأفارقة والأتراك والأعداء الآخرين للملكيّة. وكان منتقدو مرسوم فيليب الثالث ومستشاروه يقولون إن الإسبان استمروا قرونا عدة في السماح للأندلسيين العيش بينهم في أرض استعادوها، وممارسة دينهم. وكانوا يقولون أيضاً إن الإسبان سمحوا للأندلسيين بإستغلال الأرض والقيام بأعمال مختلفة لم يعد النصارى يعتادونها، لأن الإسبان كانوا شغوفين بشن الحرب. أولئك الذين تبنوا هذا الاتجاه كانوا يعتقدون أنه من غير الصواب إنزال عقاب شامل يمكن أن تخرج الدولة بعده أكثر ضعفاً وأقل صلاحاً، ما لم يكن لمثل هذا العقاب دافع قوي. لكن الذين أيّدوا المرسوم (مرسوم التغريب) كانوا أكثر عدداً، واعتبروا القرار بطولياً وصائباً. وأقرّ هؤلاء بالشرور التي يمكن أن تلحق بإسبانيا نتيجة القرار، لكنهم كانوا يرون في هذه الشرور ثمناًًً لا يمكن مقارنته بالأذى الذي يتهددهم إذا استمر بقاء الموريسكيين في المملكة“. هل كان وجود الأندلسيين في إسبانيا سيهدد وجود إسبانيا فعلاً؟ الجواب تأكيداً هو نعم. هل كان الأندلسيون مستعدين للتعاون حتى مع الشيطان لرفع كابوس الاضطهاد عن صدورهم؟ الجواب لا بدّ أن يكون نعم أيضاً.لماذا؟ لأن إسبانيا الديمقراطية الحديثة فقط وجدت الحل لكل الأقليات في آيبرية وتوابعها عن طريق منحها الحكم الذاتي وأنهت بذلك معظم مشاكلها القديمة مع الباسك والنافاريين والقطلان. لكن هذا لم يكن ممكناً في القرن السابع عشر. كان على إسبانيا وقتها التمكّن من تغيير نفسها قبل أن تستطيع السماح للأندلسيين بالحياة والاستمرار وتحسين أوضاعهم الإنسانية والمعيشية، والتوقف عن إحراق الأندلسيات والأندلسيين ومصادرة أموالهم وأملاكهم وحرياتهم.
وبدت إسبانيا في لحظات قليلة كأنها يمكن أن تترك الأندلسيين يمارسون الحد الأدنى من الحريات الدينية والاجتماعية والاقتصادية، لكن المخاوف الداخلية التي أججها التعصب الديني والقومي، والمخاوف الخارجية التي أثارتها الهزائم العسكرية المتلاحقة لم تسمح لتلك اللحظات أن تتحول إلى وقت مجد. ولم تعد إسبانيا قادرة على الوصول إلى هذا الحل بعد ذلك لأن الكاثوليك الفرنسيين والبروتستانت الإنكليز والهولنديين كانوا بدأوا الحروب الأخيرة لتدمير قوة إسبانيا، وكانت ثورة كبيرة أخرى يشعلها الأندلسيون في إسبانيا ستؤدي إلى قلب موازين القوى. وفي النهاية ظل معظم الأندلسيين عرباً ومسلمين، لكن بين الكاثوليكية والبروتستانتية، كان الأندلسيون سيختارون البروتستانتية ليس لقناعتهم بها، بل لأنها كانت ستساعدهم على تدمير إسبانيا الكاثوليكية التي سعت إلى تدميرهم بكل الوسائل.
وفي عام 1599 زار فيليب الثالث بلنسية لعقد قرانه إلى مرغريت النمسوية وأثيرت خلال الأفراح مسألة الأندلسيين فأصدر مرسوماً ملكيّاً بالعفو عنهم إذا اعترفوا للكنيسة بذنوبهم وخطاياهم وأصلحوا أمورهم وطلبوا المغفرة والصفح. وكتب فيليب رسالة بهذا المعنى إلى خوان دي ربيره رئيس أساقفة بلنسية أمره فيها بمباشرة تعميد من لم يتعمد بعد من الأندلسيين ومعاملتهم بالحسنى لكسب تعاونهم.19 وفي الثاني والعشرين من حزيران (يونيو) من العام نفسه أصدر البابا بولس الخامس إرادة منحت الأندلسيين عفواً عاماً عن كل خطاياهم لمدة سنة واحدة. وانقضت المهلة من دون أن يتقدم الأندلسيون للاعتراف بخطاياهم فتحرّكت محاكم التحقيق وعمّدت عدداً من الأندلسيين بالقوة. واحتج الأندلسيون على هذا الإجراء فردّت الحكومة باتهامهم بالتآمر مع الفرنسيين وتعهدهم للمغاربيين بتوفير ٠٠٢ ألف مقاتل لاحتلال بلنسية إذا تمكن هؤلاء من إرسال 20.000 مقاتل فقط،ثم أعدمت عدداً منهم شنقاً. وخلال السنوات الثماني التي اعقبت زيارة فيليب الثالث الى بلنسية استمرت مقاومة الأندلسيين للتعميد، وبدأ دوق ليرما التفكير بتغريبهم ما لم تنصلح حالهم نهائياً عاكساً رأيه هذا في قول مشهور هو: ”لن تصبح ممالك إسبانيا نقيّة طاهرة إلا بإقصاء الموريسكيين عنها“.
وفي صباح الإثنين الثاني والعشرين من أيلول 1609 الموافق للثاني من شوال سنة 489 خرج المنادون إلى الأندلسيين وقرأوا المرسوم الملكي الآتي:
”1 - على سائر الموريسكيين في المملكة رجالاً ونساءً وأطفالاً أينما كانوا أن يسارعوا خلال ثلاثة أيام من صدور هذا المرسوم إلى إخلاء منازلهم والاتجاه بإمرة مفوض الدولة المسؤول عنه، وذلك للإبحار الى المغرب على متن المراكب والسفن التي استعارتها الدولة لهذا الغرض، ومنصاعين لأوامر المفوض، آخذين معهم من ممتلكاتهم المنقولة ما يمكن حمله على ظهورهم. وتحظّر الاساءة إليهم أو إزعاجهم أثناء انتقالهم سواء بالقول أو الفعل، ويُكفل لهم تأمين طعامهم خلال مدة الإبحار. وكل من يتخلّف عن تنفيذ هذا المرسوم يعرض نفسه للهلاك المحقق.
2 - يحق لأي إسباني صادف موريسكياً خارج منطقته أو ضالاً في الطريق بعد الأيام الثلاثة المحددة أن يستولي على ما معه. وإن أبدى الموريسكي أي مقاومة للإسباني أن يقتله أو أن يسلمه إلى أقرب مركز حكومي لكي تأخذ العدالة مجراها.
3 -على الموريسكيين، بعد الإطلاع على نص هذا المرسوم، البقاء حيث هم إلى أن يحضر مفوض الدولة الخاص بهم وينقلهم إلى الموانئ المحددة للإبحار الى المغرب، ومن يخالف ذلك يعرّض نفسه إلى الهلاك.
4 - يُحكم بالموت على أي موريسكي أخفى شيئا من أمواله أو ممتلكاته مما يعجز عن حمله، أو أحرق أو أتلف بيتاً أو مزرعة أو حاكورة أو شجرة أو أي ممتلكات. وتُنزل العقوبة ذاتها بأي جار تكتّم على مثل هذه الاعمال لأن المرسوم يوجب على الموريسكيين إبقاء الممتلكات التي يعجزون عن حملها فتؤول الى صاحب الاقطاعية.
5 - لست أسر موريسكية فقط البقاء في كل بلدة تضم 100 أسرة مسيحية شرط ان تتألف هذه الأسر من كبار السن، وألا يكون ابناؤهم متزوجين، وأن يكونوا تحت رعاية الابوين. ويختار هذه الأسر أصحاب الاقطاعيات من بين أكثر السكان الموريسكيين تمسكاً بالمسيحية بهدف تعليم السكان الجدد زراعة قصب السكر وصناعة السكر وتكريره وإتقان توضيب مساكب الرز وسقيه وحصاده وسقاية الارض عامة وصيانة البيوت.
7 - يُحظّر على المسيحيين القدماء إخفاء أي موريسكي أو مساعدته أو عدم الابلاغ عنه ان تغيّب، ويُحكم على من يُقدم على مثل هذا العمل بالشغل ست سنوات على القواديس أو أي أحكام نُقرّها.
8 - ليعلم كل الموريسكيين أن رغبة الملك هي تهجيرهم من مملكته وليس مضايقتهم، حتى يصلوا الى الشواطئ المغربيّة بأمان.لذا يُسمح لعشرة موريسكيين في كل رحلة العودة على المراكب التي اقلتهم لابلاغ إخوانهم بسلامة الوصول وحسن المعاملة.ويُكتب إلى المفوضين والمسؤولين عن المراكب بذلك فلا يُسمح لاي جندي أو بحار بالاساءة إلى المهجرين قولا أو فعلاً.
9 - للأطفال الموريسكيين الذين تقل أعمارهم أو أعمارهن عن الرابعة البقاء في البلاد شرط موافقة الأبوين أو الوصي على ذلك.
10 - يُسمح لاطفال الموريسكيين ممن تقل أعمارهم أو أعمارهن عن ست سنوات وينحدرون من آباء مسيحيين قدماء كبار السن البقاء مع أمهاتهم. كما يُسمح لأطفال الموريسكيين المنحدرين من أمهات مسيحيات قديمات البقاء في البلاد مع أمهاتهم إذا كانت أعمارهم أو أعمارهن تقل عن السادسة فيما يُطرد الاباء.
11 - يُسمح للموريسكيين المقيمين بين النصارى القدماء البقاء في المملكة إن لم يكونوا انتسبوا إلى رابطة الجوامع الموريسكية قبل سنتين من صدور هذا المرسوم.
12 - يُسمح ببقاء الموريسكيين الذين لُقنوا أسرار الكنيسة وعُمدوا بمعرفة رئيس الدير بناء على توصيات المُعرّفين (عمال محاكم التحقيق) القاطنين في مناطقهم.
13 - يوافق صاحب الجلالة على أن يتوجه أي موريسكي إلى أي مملكة أخرى يرغب الذهاب اليها شرط ألا يعبر في طريقه مقاطعات اسبانية، وأن يتمّ ذلك ضمن المدة التي حددها المرسوم.
هذه هي رغبة صاحب الجلالة، ومن لا ينفذ ما جاء في هذا المرسوم الملكي يعرض نفسه إلى أقصى العقوبات“. وهذا هو المرسوم الذي يمكن اعتباره النهاية الرسمية لمبدأ التعايش في آيبريا.

الرندي غير متواجد حالياً  
قديم 18-03-2008, 11:01 PM   #12 (permalink)
مسافر متالق
 
الصورة الرمزية H A B
 
تاريخ التسجيل: Jul 2004
رقم العضوية :11659
المشاركات: 716




افتراضي


شكرا على نشر هذا الموضوع ....ولاحول ولا قوة الابالله العلي العظيم

التوقيع :
عبدالله المسافر
أبيات بديعة في الثناء والتضرع لله عزوجل...http://travel.maktoob.com/vb/travel94388/..
موقع ممتازلمعرفة مواقيت الصلاة في 6ملايين مدينة http://travel.maktoob.com/vb/travel90243/
الالتفاتات الذهبية ..في الرحلة الألبية..!http://travel.maktoob.com/vb/travel185008/
لحظات مع الموت في كوالالمبور !!!! http://travel.maktoob.com/vb/travel91954/
H A B غير متواجد حالياً  
قديم 30-03-2008, 12:55 AM   #13 (permalink)
مسافر متميز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
رقم العضوية :40546
المشاركات: 311




افتراضي


شكراً على مرورك الكريم أخ عبدالله ولاحول ولاقوة الا بالله

الرندي غير متواجد حالياً  
قديم 28-12-2008, 09:42 PM   #14 (permalink)
مسافر متميز
 
الصورة الرمزية الطاقة الذاتية
 
تاريخ التسجيل: Apr 2006
رقم العضوية :72536
المشاركات: 515




افتراضي


تغريب الاندلسيون...
ملحمة عظيمة من الطرفين...
ملحمة الثبات والصمود من الاندلسيون رغم كل الوسائل العجيبة...
والتصلب العجيب من القشتاليين لمحو أى أثر ينبىء بالاسلام...
الرندى...
ما أجملك وأروعك بهذا المقال المنقول...
قرأته كله بحس جميل من الاستمتاع...
وتعلمت أشياء جديدة...
فالحرب الكاثوليكية الاسبانية كانت تحارب بضراوة حتى البروستات بالاضافة لليهود...
النجاح المبهر للأسبان بتنصير العالم الجديد مقابل الفشل بأسبانيا...!!
العثمانيين كانوا عمالقة زمانهم بالقرن السادس عشر , وليتهم تعملقوا أكثر...!!
هولندا تنجح بمقاومة الاسبان بعد صراع شديد وتستولى على نصيب كبير من التجارة البحرية...
الثورة الاندلسية الكبرى كادت تنجح ولكن...
المهارات الفردية وحسن التدبير من سمات الاندلسيين رغم الظروف الصعبة...
غرناطة... كم تذكرينا بفلسطين الحبيبة...
الاسبان كانوا فقراء رغم الفضة التى تأتيهم من كل المستعمرات , وكم يشبه هذا أمريكا عصرنا...!!
أشكرك من صميم قلبى...

الطاقة الذاتية غير متواجد حالياً  
قديم 29-12-2008, 01:44 PM   #15 (permalink)
مسافرجديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: حيث أجد ذاتي
رقم العضوية :222943
المشاركات: 15




افتراضي


أختي اعتماد الباحثة المتفردة

أخي الزندي الباحث المتلهم المستزيد من المعرفة

أهلا بكما / وبي بينكم هنا


بصراحة أذهلني هذا الموضوع ولم أقرأ من قبل في شيء من ذلك ،، و لا نملك من هذا التاريخ إلا تلك الأقراص المعلبة والتي سموها مادة دراسية أيام الطلب الباهت .. وهي أشبه بسندوتشات لا تسمن ولا تغني من جوع ...

هنا وجدنا ضالة كبيرا .. لا أملك لها إلا أن أرفع لكما فبعة الاحترام والتقدير ،،،

مع وافر إعجابي وحبي

المسافر وحدي غير متواجد حالياً  
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة






الساعة الآن 03:41 PM.

تجارة الكترونية   -   منتديات الامارات   -   العاب   -   العاب بنات   -   صور اطفال   -   صوت الاسلام   -   الفراشة - عالم حواء   -   الحياة الزوجية   -   منتديات ماجده
كورة   -   ابراج – حظك اليوم   -   اخبار   -   كليبات   -   العاب فلاش


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.1.0
المواضيع المطروحة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العرب المسافرون