عرض مشاركة واحدة
قديم 07-02-2005, 08:16 PM   #9 (permalink)
السائح الهروي
ابوعبدالرحمن
 
الصورة الرمزية السائح الهروي
 
تاريخ التسجيل: Oct 2004
الدولة: دولة الكويت
رقم العضوية :15465
المشاركات: 2,966




افتراضي


الأخت الكريمة الشامية حفظها الله تعالى

شكرا على مداخلتك الكريمة و تشجيعك الدائم ... و السؤال الذي طرحتيه بارك الله فيك هو سؤال هام جدا و لاشك و ذلك لتعلقه بأمر شرعي عظيم
و سأتكلم على هذا الموضوع عبر نقاط أسأل الله تعالى أن يوفقني في عرضها و تبيانها :


أولا: المرجع الأساسي في جميع أفكارنا و تصوراتنا و عقائدنا هو القرآن الكريم و السنة الصحيحة و كلام و توجيهات أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ثم كلام العلماء المعروفين و الموثوقين .... و لا أوثق و لا أعلم من الأئمة الأربعة أبي حنيفة و مالك و الشافعي و أحمد رضي الله عنه أجمعين ...

ثانيا: من المتفق عليه بين المسلمين جميعا عظم مكانة بلاد الشام و أنها بلاد الأنبياء و أن الله تعالى قد بارك فيها و أنها أرض الطائفة المنصورة و أن ملائكة الرحمن تبسط أجنحتها على بلاد الشام كما إن الله تعالى قد تكفل بالشام و أهله
و قد وردت فضائل الشام بالكتاب و السنة الصحيحة و من كلام الصحابة رضي الله عنهم و من كلام ائمة السلف كلهم و لا خلاف في هذا ...

ثالثا: وردت في فضائل الشام أحاديث كثيرة مكذوبة موضوعة على النبي صلى الله عليه و سلم ينبغي الحذر منها و على سبيل المثال جاء في أحدها: (( ما بعث الله من نبي إلا كان من أرض الشام فإن لم يكن منها أسري به إليها ))
و باعتقادي فإن في الأحاديث الصحيحة غنية عن الضعيف و المكذوب و الحمدلله ...

رابعا: ما ذكرتيه أختي الكريمة من انتشار قبور الصالحين و الأولياء و الأماكن التي يقدسها الناس في بلاد الشام أمر صحيح شاهدته بنفسي و رأيته بأم عيني و أنا حقيقة استغرب من هذا الشيئ و لبيان سبب استغرابي دعيني أفصل الموضوع إلى قسمين :

القسم الأول : القبور في بلاد الشام


عند زيارتي لبلاد الشام لاحظت و بكثرة وجود القبور و الأضرحة التي يقصدها بعض الناس بقصد البركة و الدعاء و الرغبة في الشفاء من الأمراض و الأسقام و طلب الرزق و الولد!
و أنا خلال قراءتي لتاريخ بلاد الشام ومن خلال زياراتي الميدانية للكثير من هذه المساجد و القبور توصلت إلى نتيجة هي أن هذه القبور تنقسم إلى 3 أقسام :

1- قبور منسوبة كذبا إلى أصحابها و مثال على ذلك : جميع القبور المنسوبة للأنبياء باستثناء قبر نبينا محمد صلى الله عليه و سلم

2- قبور منسوبة اجتهادا و تقديرا إلى أصحابها و لاتصح نسبتها بل و لا يعرف المكان الحقيقي لصاحبها
مثال ذلك قبر يحيى عليه السلام في الجامع الأموي فقد قيل أن رأسه الشريف مدفون في هذا المكان دفنه الوليد بن عبد الملك و قيل أن هذا المكان لا شيئ فيه و أنه عبارة عن عامود موجود في الكنيسة التي بنيت على معبد جوبيتر القديم ... إضافة لذلك فإن أهل حلب يقولون أن رأس يحيى عليه السلام عندهم في القلعة !!
و مثاله أيضا قبر عبيدالله بن عمر بن الخطاب رحمه الله فقد زرت أنا قبرين بهذا الاسم الأول في حمص و الثاني في مسجد بسوق البزورية بدمشق!
و كذلك الحال بقبر خالد بن الوليد رضي الله عنه في حمص فقد قال الكثير من أهل العلم أن خالدا دفن في المدينة و أن القبر الموجود هو لخالد بن يزيد الأموي
و أما قبر بلال بن حمامة رضي الله عنه فقيل أنه بحلب و أهل تركيا يقولون هو عندهم قريب من البحر الأسود و في الشام أيضا قبر منسوب له و لا ندري من نصدق أو نوثق ؟؟

3- قبور ثبتت أنها صحيحة النسبة لأصحابها فهذه تنقسم إلى قسمين :

أ- أصحاب هذه القبور مشهود لهم بالخير و الصلاح و التقوى بل و بالرسالة أيضا مثال ذلك قبر النبي محمد صلى الله عليه و سلم و قبر الصحابيين الجليلين أبي بكر و عمر و كذلك مقبرة البقيع ففيها الجم الغفير من الصحابة الكرام رضي الله عنهم و أرضاهم ...

ب- قبور ثبتت لأصحابها و أنها صحيحة النسبة لهم و لكن أصحابها لم يُعرفوا بخير و تقوى من الله و زهد في الدنيا بل رسم الناس حولهم هالات من الكذب و الخداع و الجهل أيضا و مثال على ذلك قبر محي الدين بن عربي بصالحية دمشق فهذا الرجل قد كفره كثير من علماء الإسلام و لم يزكيه إلا اتباعه و من هم على عقيدته و حتى من أثنى عليه خوفا من العامة يشهد و يقول بأن للمذكور عبارات كفرية غامضة تودي بكفر من اعتقدها .... و قبر هذا الرجل قد ظل طوال عدة قرون محتقرا مهجورا حتى جاء أحد السلاطين العثمانيين فاهتم به و بناه و شيده ...

و هناك ينبغي الإشارة إلى أن دعاء الله عند قبر ولي صالح باعتقاد أن الدعاء عنده مستجاب هو فعل محرَّم لأنه من أسباب الشرك ،ولو كان الدعاء عند القبور أو عند قبر النبي صلى الله عليه و سلم مثلا أفضل وأصوب وأحبَّ إلى الله وأجوب لرغبنا فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم و لما نهانا عن اتخاذ قبره عيدا و مزارا؛ لأنه صلى الله عليه و سلم لم يترك شيئًا يقرب إلى الجنة إلا وحثنا عليه، فلما لم يفعل ذلك عُلم أنه فعل غير مشروع، وعمل محرم و ممنوع فتنبهي!

و بعد هذه الإشارات أحب أن أتكلم على نقطتين هامتين و هما :


أ- الحكم الشرعي في بناء القبور و الأضرحة في المساجد
لا شك أن بناء القبور في المساجد من الكبائر المنهي عنها شرعا و قد وردت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه و سلم في النهي عن هذا و أنها من أفعال اليهود و النصارى...
فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:[ لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ] متفق عليه .
و روى مسلم من حديث جندب ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :" الا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد , ألا فلا تتخذوا القبور المساجد فإني أنهاكم عن ذلك"
ب- النقطة الثانية هي أن بناء القبور في المساجد سبب من أسباب انتشار الشرك بالله تعالى و الكفر به :
و قد رأيت أنا هذا الأمر بنفسي في زياراتي للشام و مصر و تركيا و الله المستعان
و قد حدثني صاحبي أبو محمد و هو رجل فاضل من أهل حمص أنه كان إذا حزبه أمر و أهمه اتجه إلى قبر خالد بن الوليد رضي الله عنه و أخذ يدعوه و يرجوه و هو يبكي بأن يفرج همه و ينفس كربه و العياذ بالله تعالى و ما درى هذا الرجل أن سيف الله خالدا رضي الله عنه و أرضاه لما عزله الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن يملك لنفسه نفعا و لا ضرا فكيف ينصر هذا الرجل و يغيثه و هو في قبره ؟؟؟
و قد كان رضي الله عنه يبحث عن الشهادة في سبيل الله تعالى و الفوز بهذا الشرف العظيم و لم ينلها في المعارك العظيمة التي خاضها بنفسه فكيف يستطيع هو أن يفرج هم صاحبي هذاو يعطيه ما يريد؟؟
و الحمدلله فقد هدى الله تعالى صاحبي هذا للتوبة عن هذا الشرك بالله

و الكلام في هذا كثير و يكفينا فيه بضع آيات كريمة و حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم:
يقول الله تعالى : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
لاحظي أختي أن الله تعالى سمى الدعاء عباده كما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم : الدعاء هو العبادة
لذلك لا يجوز شرعا أن يدعو المسلم أصحاب القبور و الأموات فهذا من الشرك الأكبر المخرج من الملة و العياذ بالله
و يقول الله تعالى :أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا
تَذَكروُنْ (النمل 62) و الآية واضحة جدا و فيها أن من دعا غير الله فقد اتخذه إله معه ...

القسم الثاني : ما يذكره بعض الناس عن فضائل واردة في أماكن في الشام و غيرها من البلدان:
مثل القدم في دمشق و مغارة الدم في قاسيون و آثار الخضر عليه السلام في كل مكان و أماكن لا حصر لها في عالمنا الإسلامي .....
فغالب ما ورد فيها غير صحيح كما ذكرتُ سابقا في القبور و إنما هي من اختلاقات الناس فلم تكن موجود في عهد الصحابة و لا التابعين و لا الأئمة الأربعة رضي الله عنهم أجمعين و لا عرفها علماء أهل السنة و الجماعة بل الأمر أشبه بما فعله مُسلمة الفتح لما قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم لما رأوا كفار قريش يضعون أسلحتهم على شجرة يتبركون بها فقالوا :
يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم فقال النبي صلى الله عليه و سلم :
الله أكبر إنها السنن قلتم كما قال أصحاب موسى لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة
لتتبعن سنن من كان قبلكم حذوة القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قلنا يا رسول الله اليهود و النصارى قال فمن؟ أي فمن إذا إن لم يكن هم

و قد دخلت يوما جامع أيا صوفيا في تركيا و استغربت من وجود ثقب في الجدار و رأيت الناس يضعون أصبعهم بداخله و يتمنون أمنيات كثيرة فلما استفهمت من أحد المرشدين فقال إن التمني هنا و بهذه الصفة مستجاب!!!
فسبحان الله ما هذا الجهل الكبير في الدين و أين الله تعالى؟؟ و أين دعاء لله تعالى؟؟
ألا يعلم هؤلاء ما يقوله الله تبارك و تعالى :

فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: 18]
ويقول سبحانه: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس 106] يعني من المشركين.
ويقول الله عز وجل: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر 13 ، 14] سمى دعاءهم إياهم شركا بالله
وقال عز وجل: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون : 117]
و في مصنف ابن أبي شيبة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه أن أناسا يأتون الشجرة التي بُويع تحتها النبي صلى الله عليه و سلم فأمر بها فقطعت ...
انظري بارك الله فيكِ حفظ جناب التوحيد عند سيدنا عمر رضي الله عنه و أرضاه

و فاتني هنا أمر مهم أريد بيانه و هو حكم زيارة القبور بشكل عام فأقول:

صح عن النبي صلى الله عليه و سلم قوله: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة)) رواه مسلم
و يقول ابن القيم رحمه الله تعالى : (( كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا زار القبور يزورها للدعاء لأهلها والترحم عليهم والاستغفار لهم ومر يوما بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: ((السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر))رواه الترمذي
فمشروعية زيارة القبور هي : للعبرة أولا و للدعاء لهم بالمغفرة و الرحمة ثانيا ....

و في هذا الموضوع بالذات فإن أحسن من بحثه من علماء الشام في العهد القريب هم :
علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى
و الشيخ محمد بهجة البيطار رحمه الله تعالى
و الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله تعالى
و من المفكرين و الباحثين العلامة محمد كرد علي رحمه الله تعالى فله كلام جميل موزون في هذا الباب و لو خشية الإطالة لنقلت بعضه شنع فيها على جهلة عوام المسلمين في قصد القبور و الأشجار و الأحجار للتبرك و الدعاء و الله المستعان

هذا و الله أعلم و اعتذر عن الإطالة

السائح الهروي غير متواجد حالياً