01-01-2008, 10:17 AM
|
#13 (permalink)
|
|
مدير الرقابه العامه
تاريخ التسجيل: Jul 2007
مشاركات: 9,020
|
اختيار موفق
اقتباس:
الكاتب : سليل المجد
الكتاب الذي سأطرحه هنا قديم
ولكن لم انس المتعة والفائدة التي طلعت بها بعد قراءة هذا الكتاب
حياة في الإدارة
الدكتور غازي عبد الرحمن القصيبي

|
سليل المجد
اختيار رائع .. لكتاب رائع .. لكاتب أروع ، وهذه مقتطفات منه

.................................................. .................................................. ..............
أمور إدارية كثيرة ومعقدة تلازم الإنسان منذ ولادته مع إصدار ورقة إدارية تسمى شهادة الميلاد وعند وفاته يلزم الحصول على ورقة أخرى تسمى شهادة الوفاة كلاهما تصدر من وزارة الصحة.
إلا أن الطفل في تصوري ( كما يقول الدكتور ) لا يبدأ تعامله الحقيقي مع الإدارة إلا بعد أن يذهب الى المدرسة.
يقول:
بدأ لقائي بالإدارة في الطابور كان الطلبة يصطفون في طوابير كل صباح ، ويتولى التفتيش على نظافة الأظافر معلم مختلف كل يوم. من هؤلاء المعلمين من كان تفتيشه شكلياً سريعاً ومنهم من كان بحثه دقيقاً مستعصياً منهم من كان يكتفي بلفت النظر ومنهم من كان يستخدم مسطرة غليظة تهوي على الأظافر القذرة. وكان من بين المعلمين معلم لا يكتفي بالنظر الى الأظافر بل كان يسأل كل واحد منا اذا كان قد إستحم ذلك الصباح. إذا أجاب الطالب بالإيجاب نجا من العقاب وإذا ذكر الحقيقة ، والحقيقة هي أن أنظفنا لم يكن يستحم سوى مرة واحدة في الأسبوع ، هوت المسطرة على الأصابع. كان هذا المدرس لا يخلو من غرابة الأطوار وكان توقعه أن يستحم أطفال صغار كل صباح من شهور البرد القارس قبل أن تصل المياه الى معظم المنازل واحداً من تصرفاته الغريبة.
أعتقد انه كان يستهدف تشجيعنا على النظافة والصدق ، إلا أن كل ما فعله هو إغراؤنا بالكذب كانت نواياه حسنة وكانت تلك هي المرة الأولى وليست الأخيرة التي ألتقي فيها بنوايا حسنة تقود الى أوخم العواقب.
وإذا كانت الإدارة لا تستغني عن جانبي الثواب والعقاب فقد كان المدير ، أيامها ، يمثل جانب العقاب وهذا الجانب وحده. كان إرسال الطالب إلى المدير يعني بصفة تلقائية أن ترتفع الخيزرانة وتهوى على يد الطالب مرتين على الأقل وعشر مرات على الأكثر. لم أسمع بحالة واحدة ذهب فيها طالب الى المدير ليسمع ثناء أو يتلقى جائزة.
في الصف الخانس الإبتدائي إصطدمت لأول مرة بالنتائج الوخيمة للتهاون الإداري. أوكلت الإدارة تدريس ثلاث مواد إلى معلم شاب قليل الخبرة ، عديمها هي الكلمة الأدق ، خال تماماً من روح المسؤولية. كان سرورنا عظيماً بهذا المعلم الذي لم يشرح شيئاً ولم يطالبنا بواجب وكان يقضي الحصص كلها في الحديث عن السيارات أنواعها وخصائصها وسرعتها وأثمانها. لا أبالغ إذا قلت أننا لم نكد نلمس المناهج لمساً فضلاً عن دراستها. وقعت الواقعة في نهاية العام حيث رسب أكثر من نصف الطلاب في مادة أو أكثر من مواد المعلم المفتون بالسيارات. تنبهت إدارة المدرسة بعد فوات الأوان إلى الخطأ وذهب المعلم غير مأسوف عليه. إلا أن المذبحة كانت قد تمت وإضطر الراسبون إلى إعادة السنة. كنت بدوري راسباً في مادة واحدة من مواد المعلم ، وهي الحساب ، وكان النظام أن أبقي مع الراسبين إلا أنني وجدت نفسي أنتقل إلى السنة النهائية مع الناجحين.
سمعت أيامها ، لأول مرة في حياتي كلمة " الواسطة " ، من الزملاء وغيرهم . و علمت لاحقاً بأنه لم يكن هناك تدخل من أحد غير أن النظام يجير لإدارة المدرسة بإعفاء الطالب المتفوق حين إكماله في مادة.
في الإبتدائية كنت حينها في البحرين ، كانت الدراسة تستغرق اليوم بأكمله من السابعة الى الرابعة مع فسحة للغداء ينصرف خلالها الطلاب الى منازلهم ، وكنا نسارع في العودة قبل إنقضاء مدة الفسحة.
وفي الثانوية تفتحت عيناي على ضروب من الفساد الإداري ما كان لطالب الإبتدائية أن يتبينها. لاحظت أن بعض المدرسين يعاملون الطالب طبقاً لوضعه الإجتماعي لا لأدائه المدرسي. ولاحظت كيف أن الدروس الخاصة مورد دخل إضافي يحرص عليها المدرس أكثر من حرصه على الدروس الأصلية. وأذكر ، في هذا المجال ، أ، مدرس اللغة العربية في سنة من السنوات ، وكان شخصية غريبة الأطوار ، إقترح عليّ أن أتلقى دروس خاصة منه. أبديت له إستغرابي من الإقتراح وكنت حصلت في إمتحان الفترة على تسع وأربيعين درجة من خمسين!!
كانت فترة تجربتي الجامعية بالقاهرة غنية بلا حدود ، ولكن خيبة أملي في الجو الجامعي كانت خيبة كبرى. بعد الإبتدائية والثانوية بالبحرين حيث الجو العائلي ومحيط الأسرة الواحدة ، وجدت نفسي في محيط لا يختلف عن محيط المدن الكبرى حيث لا يعرف أحد أحداً ولا يأبه أحد بأحد. كان المدرج يغصّ بأكثر من ألف طالب وكانت هناك حواجز نفسية سميكة بين المدرسين والطلاب . كان العميد أشبه ما يكون بشخصية إسطورية تسكن قمم الأولمب. وكانت الطبقة الجامعية لا تختلف عن الطبقة العسكرية ، يبدأ السلم من أسفله بالمعيد فالمدرس المساعد فالمدرس فالأستاذ المساعد فالأستاذ فأستاذ الكرسي ( أقدم الأساتذة ) وكانت الحواجز بين هذه الطبقات حقيقية. عندما أصبحت عميداً حرصت على تقليص هذه الحواجز الى أدنى حد ممكن وحققت نجاحا لم يخل من إنتكاسات.
سألني خلال حوار نادر مع والدي عن مستقبلي عن خططي للمستقبل ، قلت له إني أنوي إكمال الدراسة. قال: " لماذا لا لا تعمل معي ومع إخوتك بالتجارة ؟ " قلت: " أ‘تقد أنني لا أصلح للتجارة ". قال: " وماذا تنوي أن تعمل بعد الدراسة العليا ؟ " . قلت: " أنوي الإلتحاق بالخدمة العامة " . قال: " تنوي أن تعمل موظفاً حكومياً ؟ " . قلت : " نعم " . قال : " هل تعرف المصير الذي ينتظر موظفي الحكومة ؟ " . قلت: " لا " . قال: " الفقر أو السرقة ! " . قلت: " أرجو ألا أفتقر ولا أنوي أن أسرق " . قال: " أنت وشأنك " .
لماذا لم أقرر الإشتغال بالتجارة ، وهي عمل أسرتي عبر عدة أجيال ؟ الجواب ببساطة هو أنني خلقت بلا مواهب تجارية وكنت على إلمام تام بهذه الحقيقة. تتضح المواهب التجارية شأنها شأن معظم المواهب في سن مبكرة من عمر الإنسان. روى لي تاجر مرموق أنه بدأ تجارته وهو في السابعة من عمره ببيع الدفاتر على زملائه و روى آخر أنه قبل د\خول المدرسة الإبتدائية يدخر مصروفه الضئيل ويشتري حلوى يبيبعها على الأطفال في الحارة.
حصلت على درجتي البكالوريوس والماجستير في القانون الدولي من أمريكا. وتركت تلك الفترة في حياتي ، إدارياً ، آثاراً وبصمات لا تمحى. في الجامعة كان هناك حد أدنى من الروتين وكان التسجيل في بداية كل فصل يتم بسهولة ويسر وكان الطالب يمكنه أن يطلب إعفاؤه من حضور الإمتحان في أي مادة قبل الإختبار النهائي، ويبقى أمره معلقا حتى يعيد أخذ المادة وكانت العلاقة بين الطالب والمدرس أشبه بالزمالة.
كان هناك حد أدنى من الروتين داخل الجامعة وحد أدنى من الروتين خارج الجامعة. الحصول على رخصة قيادة من الإمتحان الطبي الى النظري الى العملي لا يستغرق سوى صباح واحد. ومكالمة هاتفية تكفي لربط منزلك ، خلال ساعات معدودة ، بخدمات الكهرباء والغاز والهاتف. كانت المفارقة مذهلة بين الشرق حيث لا تتم معاملة إلا بإجراءات لا تنتهي وبين هذا المجتمع حيث لا تكاد توجد معاملات. الآن ، يقول لي الأصدقاء الأمريكيون أن الوضع لم يعد كما كان وأن الروتين يدخل كل شيئ.
في الولايات المتحدة تتولى الخدمة الهاتفية شركات عملاقة يفوق دخلها السنوي دخل معظم دول العالم الثالي ولديها من الإمكانيات الفنية والعملية والإدارية مالا يتوفر في معظم الدول النامية. في العالم الثالث هناك جهاز حكومي مهتري ينفذ مشروعاً هاتفياً لا يماد يفيئ بحاجة عشر المستهلكين. من العبث أن نكتفي بمدح الإدارة " المتقدمة" و نهاجم الإدارة " المتخلفة " . لو أتينا بمدير شركة الهاتف الأمريكية وجعلناه مديراً لمصلحة الهاتف لما إستطاع أن يفعل شيئاً سوى الإستقالة وربما الإنتحار.
مع إنتهاء دراستي في الولايات المتحدة وصلت الى إقتناع ، لم يهجرني حتى هذه اللحظة ، وهو أن الفارق الرئيسي بين العرب والصهاينة أننا نتصرف بطريقة فردية عفوية وهم يتصرفون بطريقة جماعية منظمة.
بعد التخرج إستقر بي المطاف بجامعة الملك سعود ، وكان إلتحاقي بعد بدأ الفصل لذا لم يكن لدي حصص تعليمية ولا مكتب ولا طاولة وكنت أقضي غالبة وقتي في المكتبة. ولم أضيع دقيقة واحدة من الدوام: كنت أداوم من الثامنة صباحاً الى الثانية ظهراً كل يوم. انني أعتقد أن الذين لا يستطيعون التقيّد بالمواعيد لا يستطيعون تنظيم حياتهم على نحو يجعلهم منتجين بمستو عال من الكفاءة.
بعد شهور ، جاءت الطاولة وجاءت معها مهمة محددة: لصق صور الطلاب على إستمارات الإمتحانات. أي والله! بدأت حياتي العملية بلصق الصور. قمت بالعمل عن طيبة خاطر ، يوما بعد يوم . أذكر هذا ، بدوره للعظة والعبرة. مرت علي نماذج عديدة من موظفين يتوقعون بمجرد حصولهم على الماجستير أن يكلفوا بأخطر المهام ويغضبون عندما لا يجدونها.
عموماً ، قبل نهاية السنة الدراسية أخبرني عميد الكلية أنني سأكلف في السنة القادمة بتدريس مبادئ القانون ومبادئ الإدارة العامة. قلت له أنني لن أجد صعوبة في تدريس مبادئ القانون أما مبادئ الإدارة العامة فلن أستطيع أن أدرسها لسبب بسيط جداً وهو أنني لم أدرسها. ضحك العميد وقال: " الوضع كما تراه بنفسك. لا يوجد أساتذة. أما أن تدرس المادة أنت أو أدرسها أنا " . وافقت على مضض.
قضيت كل يوم من أيام الإجازة الصيفية في الجامعة الإمريكية في بيروت أقرأ في المكتبة. كنت ، في الواقع ، أدرس الإدارة العامة تمهيداً لتدريسها. قرأت عدداً من الكتب الجامعية المعتمدة قي الحقل باللغتين العربية والإنجليزية. بالإضافة ، قمت بلإعداد مذكرات للطلاب شملت كل ما يحتاج إليه الطالب المبتدئ.
إنتهى الصيف وعدت الى الرياض وبدلاً من أبدأ التدريس وجدت أن علي أن أسافر الى اليمن ضمن وفد رسمي على مستوى عال بأمر من الملك. تباحثت مع رئيس الوفد عن مدى إمكانية إعفائي من هذه المهمة. قال : " تستطيع ذلك بأن تدخل المستشفى لإستئصال الزائدة الدودية، ثم تبدأ مهمتك في اليمن وأنت في صحة جيدة " .
المصدر
|
|
|