عرض مشاركة واحدة
قديم 05-10-2007, 04:39 AM   #39 (permalink)
نسيم نجد
كاتب قدير
 
الصورة الرمزية نسيم نجد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581




افتراضي


تكملة التفسير
سبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن ، ومسكنهم بلدة يقال لها « مأرب » . ومن نعم الله ولطفه بالناس عموما ، وبالعرب خصوصا ، أنه قص في القرآن أخبار المهلكين والمعاقبين ، ممن كان يجاور العرب ، ويشاهد آثارهم ، ويتناقل الناس أخبارهم ، ليكون ذلك أدعى إلى التصديق ، وأقرب للموعظة فقال :

" لقد كان لسبإ في مسكنهم "

أي : محلهم الذي يسكنون فيه

" آية "

. والآية هنا : ما أدر الله عليهم من النعم ، وصرف عنهم من النقم ، الذي يقتضي ذلك منهم ، أن يعبدوا الله ويشكروه . ثم فسر الآية بقوله :

" جنتان عن يمين وشمال "

وكان لهم واد عظيم ، تأتيه سيول كثيرة ، وكانوا بنوا سدا محكما ، يكون مجمعا للماء . فكانت السيول تأتيه ، فيجتمع هناك ماء عظيم ، فيفرقونه على بساتينهم ، التي عن يمين ذلك الوادي وشماله . وتغل لهم تلك الجنتان العظيمتان ، من الثمار ما يكفيهم ، ويحصل لهم الغبطة والسرور . فأمرهم الله بشكر نعمه ، التي أدرها عليهم من وجوه كثيرة : منها : أن الله جعل بلدهم ، بلدة طيبة ، لحسن هوائها ، وقلة وخمها ، وحصول الرزق الرغد فيها . ومنها : أن الله تعالى وعدهم ـ إن شكروه ـ أن يغفر لهم ويرحمهم ، ولهذا قال :

" بلدة طيبة ورب غفور "

. ومنها : أن الله لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم ، إلى الأرض المباركة ، الظاهر أنها : قرى صنعاء ، كما قاله غير واحد من السلف ، وقيل : إنها الشام ، هيأ لهم من الأسباب ، ما به يتيسر وصولهم إليها ، بغاية السهولة ، من الأمن ، وعدم الخوف ، وتواصل القرى بينهم وبينها ، بحيث لا يكون عليهم مشقة ، بحمل الزاد والمزاد . ولهذا قال :

" وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير "

أي : سيرا مقدرا يعرفونه ، ويحكمون عليه ، بحيث لا يتيهون عنه

" سيروا فيها ليالي وأياما آمنين "

أي : مطمئنين في السير ، في تلك الليالي والأيام ، غير خائفين . وهذا من تمام نعمة الله عليهم ، أن أمنهم من الخوف . فأعرضوا عن المنعم ، وعن عبادته ، وبطروا النعمة ، وملوها . حتى إنهم طلبوا وتمنوا ، أن تتباعد أسفارهم بين تلك القرى ، التي كان السير فيها متيسرا .

" وظلموا أنفسهم "

بكفرهم بالله وبنعمته ، فعاقبهم الله تعالى بهذه التعمة ، التي أطغتهم ، فأبادها عليهم ، فأرسل عليها سيل العرم ، أي : السيل المتوعر ، الذي خرب سدهم ، وأتلف جناتهم ، وخرب بساتينهم . فتبدلت تلك الجنات ذات الحدائق المعجبة ، والأشجار المثمرة ، وصار بدلها ، أشجار لا نفع فيها ، ولهذا قال :

" وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل "

أي : شيء قليل من الأكل الذي لا يقع منهم موقعا

" خمط وأثل وشيء من سدر قليل "

وهذا كله شجر معروف ، وهذا من جنس عملهم . فكما بدلوا الشكر الحسن ، بالكفر القبيح ، بدلوا تلك النعمة بما ذكر ، ولهذا قال :

" ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور "

أي : وهل نجازي جزاء العقوبة ـ بدليل السياق ـ إلا من كفر بالله وبطر النعمة ؟ فلما أصابهم ما أصابهم ، تفرقوا وتمزقوا ، بعدما كانوا مجتمعين ، وجعلهم الله أحاديث يتحدث بهم ، وأسمارا للناس ، وكان يضرب بهم المثل فيقال : « تفرقوا أيدي سبأ » فكل أحد يتحدث بما جرى لهم . ولكن لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا من قال الله فيهم :

" إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور "

صبار على المكاره والشدائد ، يتحملها لوجه الله ، ولا يتسخطها بل يصبر عليها . شكور لنعمة الله تعالى يقر بها ، ويعترف ، ويثني على من أولاها ، ويصرفها في طاعته . فهذا إذا سمع بقصتهم ، وما جرى منهم وعليهم ، عرف بذلك أن تلك العقوبة ، جزاء لكفرهم نعمة الله ، وأن من فعل مثلهم ، فعل به ، كما فعل بهم . وأن شكر الله تعالى ، حافظ للنعمة ، دافع للنقمة . وأن رسل الله ، صادقون فيما أخبروا به . وأن الجزاء حق ، كما رأى أنموذجه في دار الدنيا . ثم ذكر أن قوم سبأ من الذين صدق عليهم إبليس ظنه ، حيث قال لربه :

" فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين "

. وهذا ظن من إبليس ، لا يقين؛ لأنه لا يعلم الغيب ، ولم يأته خبر من الله أنه سيغويهم أجمعين ، إلا من استثنى . فهؤلاء وأمثالهم ، ممن صدق عليه إبليس ظنه ، ودعاهم وأغواهم

" فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين "

ممن لم يكفر بنعمة الله ، فإنه لم يدخل تحت ظن إبليس . ويحتمل أن قصة سبأ ، انتهت عند قوله :

" إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور "

. ثم ابتدأ فقال :

" ولقد صدق عليهم "

أي : على جنس الناس ، فتكون الآية عامة ، في كل من اتبعه

نسيم نجد غير متواجد حالياً