03-10-2007, 12:47 AM
|
#37 (permalink)
|
|
كاتب قدير
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581
|
سورة سبأ
" الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور "
الحمد : الثناء بالصفات الحميدة ، والأفعال الحسنة ، فلله تعالى الحمد ، لأن جميع صفاته ، يحمد عليها ، لكونها صفات كمال ، وأفعاله ، يحمد عليها ، لأنها دائرة بين الفضل الذي يحمد عليه ويشكر ، والحمد الذي يحمد عليه ويعترف بحكمته فيه . وحمد نفسه هنا ، على أن
" له ما في السماوات وما في الأرض "
ملكا وعبيدا ، يتصرف فيهم بحمده .
" وله الحمد في الآخرة "
لأن في الآخرة ، يظهر من حمده ، والثناء عليه ، ما لا يكون في الدنيا . فإذا قضى الله تعالى بين الخلائق كلهم ، ورأى الناس والخلق كلهم ، ما حكم به ، وكمال عدله وقسطه ، وحكمته فيه ، حمدوه كلهم على ذلك . حتى أهل العقاب ما دخلوا النار ، إلا وقلوبهم ممتلئة من حمده ، وأن عذابهم من جراء أعمالهم ، وأنه عادل في حكمه بعقابهم . وأما ظهور حمده في دار النعيم والثواب ، فذلك شيء ، قد تواردت وتواترت به الأخبار ، وتوافق عليه الدليل السمعي والعقلي . فإنهم في الجنة ، يرون من توالي نعم الله ، وإدرار خيره ، وكثرة بركاته ، وسعة عطاياه ، التي لا يبقى في قلوب أهل الجنة أمنية ، ولا إرادة ، إلا وقد أعطى منها كل واحد منهم ، فوق ما تمنى وأراد . بل يعطون من الخير ما لم تتعلق به أمانيهم ، ولا يخطر بقلوبهم . فما ظنك بحمدهم لربهم في هذه الحال ، مع أن في الجنة ، تضمحل العوارض والقواطع ، التي تقطع عن معرفة الله ، ومحبته ، والثناء عليه ، ويكون ذلك أحب إلى أهلها من كل نعيم ، وألذ عليهم من كل لذة . ولهذا إذا رأوا الله تعالى ، وسمعوا كلامه عند خطابه لهم ، أذهلهم ذلك عن كل نعيم ، ويكون الذكر لهم في الجنة كالنفس ، متواصلا في جميع الأوقات . هذا إذا أضفت ذلك إلى أنه يظهر لأهل الجنة ، في الجنة ، كل وقت ، من عظمة ربهم ، وجلاله ، وجماله ، وسعة كماله ، ما يوجب لهم كمال الحمد ، والثناء عليه .
" وهو الحكيم "
في ملكه وتدبيره ، الحكيم في أمره ونهيه .
" الخبير "
المطلع على سرائر الأمور وخفاياها . ولهذا فصل علمه بقوله :
" يعلم ما يلج في الأرض "
أي : من مطر ، وبذر ، وحيوان
" وما يخرج منها "
من أنواع النباتات ، وأصناف الحيوانات
" وما ينزل من السماء "
من الأملاك والأرزاق ، والأقدار
" وما يعرج فيها "
من الملائكة والأرواح وغير ذلك . ولما ذكر مخلوقاته وحكمته فيها ، وعلمه بأحوالها ، ذكر مغفرته ورحمته لها ، فقال :
" وهو الرحيم الغفور "
أي : الذي ، الرحمة والمغفرة وصفه ، ولم تزل آثارهما تنزل على العباد كل وقت بحسب ما قاموا به من مقتضياتهما .
لما بين تعالى ، عظمته ، بما وصف به نفسه ، وكان هذا موجبا لتعظيمه وتقديسه ، والإيمان به ، ذكر أن من أصناف الناس ، طائفة لم تقدر ربها حق قدره ، ولم تعظمه حق عظمته ، بل كفروا به ، وأنكروا قدرته على إعادة الأموات ، وقيام الساعة ، وعارضوا بذلك رسله ، فقال :
" وقال الذين كفروا "
أي : بالله وبرسله ، وبما جاءوا به . فقالوا بسبب كفرهم :
" لا تأتينا الساعة "
أي : ما هي ، إلا هذه الحياة الدنيا ، نموت ونحيا . فأمر الله رسوله ، أن يرد قوله ويبطله ، ويقسم على البعث ، وأنه سيأتيهم فقال :
" قل بلى وربي لتأتينكم "
، واستدل على ذلك بدليل من أقر به ، لزمه أن يصدق بالبعث ضرورة ، وهو علمه تعالى الواسع العام فقال :
" عالم الغيب "
أي : الأمور الغائبة عن أبصارنا ، وعن علمنا ، فكيف بالشهادة ؟ ثم أكد علمه فقال :
" لا يعزب عنه "
أي : لا يغيب عن علمه
" مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض "
أي : جميع الأشياء بذواتها وأجزائها ، حتى أصغر ما يكون من الأجزاء ، وهي المثاقيل منها .
" ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين "
أي : قد أحاط به علمه ، وجرى به قلمه ، وتضمنه الكتاب المبين ، الذي هو اللوح المحفوظ . فالذي لا يخفى عن علمه مثقال الذرة فما دونه ، في جميع الأوقات ، ويعلم ما تنقص الأرض من الأموات ، وما يبقى من أجسادهم ، قادر على بعثهم ، من باب أولى ، وليس بعثهم بأعجب من هذا العلم المحيط . ثم ذكر المقصود من البعث فقال :
" ليجزي الذين آمنوا "
بقلوبهم ، وصدقوا الله ، وصدقوا رسله تصديقا جازما
" وعملوا الصالحات "
تصديقا لإيمانهم .
" أولئك لهم مغفرة "
لذنوبهم ، بسبب إيمانهم وعملهم ، يندفع بها كل شر وعقاب .
" ورزق كريم "
بإحسانهم ، يحصل لهم به كل مطلوب ومرغوب وأمنية .
" والذين سعوا في آياتنا معاجزين "
أي : سعوا فيها كفرا بها ، وتعجيزا لمن جاء بها ، وتعجيزا لمن أنزلها ، كما عجزوه في الإعادة بعد الموت .
" أولئك لهم عذاب من رجز أليم "
أي : مؤلم لأبدانهم ، وقلوبهم .
" ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد "
لما ذكر تعالى إنكار من أنكر البعث ، وأنهم يرون ما أنزل على رسوله ليس بحق ، ذكر حالة الموفقين من العباد ، وهم أهل العلم ، وأنهم يرون ما أنزل الله على رسوله ، من الكتاب ، وما اشتمل عليه من الأخبار ، هو الحق ، منحصر فيه ، وما خالفه وناقضه ، فإنه باطل ، لأنهم وصلوا من العلم إلى درجة اليقين . ويرون أيضا أنه في أوامره ونواهيه
" ويهدي إلى صراط العزيز الحميد "
وذلك لأنهم جزموا بصدق ما أخبر به من وجوه كثيرة . من جهة علمهم ، بصدق ما أخبر به . ومن جهة موافقته للأمور الواقعة ، والكتب السابقة . ومن جهة ما يشاهدون من أخبارها ، التي تقع عيانا . ومن جهة ما يشاهدون من الآيات العظيمة الدالة عليها في الآفاق ، وفي أنفسهم . ومن جهة موافقتها ، لما دلت عليه أسماؤه تعالى وأوصافه . ويرون في الأوامر والنواهي ، أنها تهدي إلى الصراط المستقيم ، وبر الوالدين ، وصلة الأرحام ، والإحسان إلى عموم الخلق ، ونحو ذلك . وتنهى عن كل صفة قبيحة ، تدنس النفس ، وتحبط الأجر ، وتوجب الإثم والوزر ، من الشرك ، والزنا ، والربا ، والظلم في الدماء والأموال ، والأعراض . وهذه منقبة لأهل العلم وفضيلة ، وعلامة لهم ، وأنه كلما كان العبد أعظم علما وتصديقا بأخبار ما جاء به الرسول ، وأعظم معرفة بحكم أوامره ونواهيه ، كان من أهل العلم الذين جعلهم الله حجة على ما جاء به الرسول ، احتج الله بهم على المكذبين المعاندين ، كما في هذه الآية وغيرها .
|
|
|