29-09-2007, 05:40 PM
|
#33 (permalink)
|
|
كاتب قدير
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581
|
الحلقة ( 14 )
" يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما "
لما اجتمع نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغيرة ، وطلبن منه أمرا لا يقدر عليه في كل وقت ، ولم يزلن في طلبهن متفقات ، وفي مرادهن متعنتات شق ذلك على الرسول ، حتى وصلت به الحال إلى أنه آلى منهن شهرا . فأراد الله أن يسهل الأمر على رسوله ، وأن يرفع درجة زوجاته ، ويذهب عنهن كل أمر ينقص أجرهن ، فأمر رسوله أن يخيرهن فقال :
" يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها "
أي : ليس لكن في غيرها مطلب ، وصرتن ترضين لوجودها ، وتغضبن لفقدها ، فليس لي فيكن إرب وحاجة ، وأنتن بهذه الحال .
" فتعالين أمتعكن "
شيئا مما عندي ، من الدنيا
" وأسرحكن "
أي : أفارقكن
" سراحا جميلا "
من دون مغاضبة ولا مشاتمة ، بل بسعة صدر ، وانشراح بال ، قبل أن تبلغ الحال إلى ما لا ينبغي .
" وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة "
أي : هذه الأشياء مرادكن ، وغاية مقصودكن ، وإذا حصل لكن الله ورسوله والجنة ، لما تبالين بسعة الدنيا وضيقها ، ويسرها وعسرها ، وقنعتن من رسول الله بما تيسر ، ولم تطلبن منه ما يشق عليه .
" فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما "
رتب الأجر على وصفهن بالإحسان ، لأنه السبب الموجب لذلك ، لا لكونهن زوجات الرسول فإن مجرد ذلك ، لا يكفي بل لا يفيد شيئا مع عدم الإحسان . فخيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فاخترن كلهن الله ورسوله ، والدار الآخرة ، لم يتخلف منهن واحدة ، رضي الله عنهن . وفي هذا التخيير فوائد عديدة :
منها : الاعتناء برسوله ، والغيرة عليه ، أن يكون بحالة يشق عليه كثرة مطالب زوجاته الدنيوية .
منها : سلامته صلى الله عليه وسلم ، بهذا التخيير من تبعة حقوق الزوجات ، وأنه يبقى في حرية نفسه ، إن شاء أعطى ، وإن شاء منع
" ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له "
. ومنها : تنزيهه عما لو كان فيهن من تؤثر الدنيا على الله ورسوله ، والدار الآخرة ، وعن مقارنتها .
ومنها : سلامة زوجاته ، رضي الله عنهن ، عن الإثم ، والتعرض لسخط الله ورسوله . فحسم الله بهذا التخيير عنهن ، التسخط على الرسول ، الموجب لسخطه ، المسخط لربه ، الموجب لعقابه .
ومنها : إظهار رفعتهن ، وعلو درجتهن ، وبيان علو هممهن ، أن كان الله ورسوله والدار الآخرة ، مرادهن ومقصودهن ، دون الدنيا وحطامها .
ومنها : استعدادهن بهذا الاختيار ، للأمر المختار للوصول إلى خيار درجات الجنة ، وأن يكن زوجاته في الدنيا والآخرة .
ومنها : ظهور المناسبة بينه وبينهن ، فإنه أكمل ، وأراد الله أن تكون نساؤه ، كاملات مكملات ، طيبات مطيبات
" والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات "
. ومنها : أن هذا التخيير داع ، وموجب للقناعة ، التي يطمئن لها القلب ، وينشرح لها الصدر ، ويزول عنهن جشع الحرص ، وعدم الرضا الموجب لقلق القلب واضطرابه ، وهمه وغمه .
ومنها : أن يكون اختيارهن هذا ، سببا لزيادة أجرهن ومضاعفته ، وأن يكن بمرتبة ليس فيها أحد من النساء ، ولهذا قال :
" يا نساء النبي "
إلى
" رزقا كريما "
" يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما "
لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، ذكر مضاعفة أجرهن ، ومضاعفة وزرهن وإثمهن لو جرى منهن ، ليزداد حذرهن ، وشكرهن الله تعالى ، فجعل لمن أتى منهن بفاحشة ظاهرة ، العذاب ضعفين .
" ومن يقنت منكن "
أي : تطيع
" لله ورسوله وتعمل صالحا "
قليلا أو كثيرا .
" نؤتها أجرها مرتين "
أي : مثل ما نعطي غيرها مرتين
" وأعتدنا لها رزقا كريما "
وهي الجنة . فقنتن لله ورسوله ، وعملن صالحا ، فعلم بذلك أجرهن .
يقول تعالى :
" يا نساء النبي "
خطاب لهن كلهن
" لستن كأحد من النساء إن اتقيتن "
الله ، فإنكن بذلك تفقن النساء ، ولا يلحقكن أحد من النساء ، فكملن التقوى بجميع وسائلها ومقاصدها . فلهذا أرشدهن إلى قطع وسائل المحرم فقال :
" فلا تخضعن بالقول "
أي : في مخاطبة الرجال ، أو بحيث يسمعون فتلن في ذلك ، وتتكلمن بكلام رقيق .
" فيطمع الذي في قلبه مرض "
أي : مرض شهوة الحرام ، فإنه مستعد ، ينتظر أدنى محرك يحركه ، لأن قلبه غير صحيح ، فإن القلب الصحيح ، ليس فيه شهوة لما حرم الله ، فإن ذلك لا تكاد تميله ولا تحركه الأسباب ، لصحة قلبه ، وسلامته من المرض . بخلاف مريض القلب ، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح ، ولا يصبر على ما يصبر عليه . فأدنى سبب يوجد ، ويدعوه إلى الحرام ، يجيب دعوته ، ولا يتعاصى عليه . فهذا دليل على أن الوسائل ، لها أحكام المقاصد . فإن الخضوع بالقول ، واللين فيه ، في الأصل مباح . ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم ، منع منه . ولهذا ينبغي للمرأة في مخاطبة الرجال ، أن لا تلين لهم القول . ولما نهاهن عن الخضوع في القول ، فربما توهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول ، دفع هذا بقوله :
" وقلن قولا معروفا "
أي : غير غليظ ، ولا جاف كما أنه ليس بلين خاضع . وتأمل كيف قال :
" فلا تخضعن بالقول "
ولم يقل : « فلا تلن بالقول » وذلك لأن المنهي عنه ، القول اللين ، الذي فيه خضوع المرأة للرجل ، وانكسارها عنده . والخاضع ، هو الذي يطمع فيه . بخلاف من تكلم كلاما لينا ، ليس فيه خضوع ، بل ربما صار فيه ترفع وقهر للخصم ، فإن هذا ، لا يطمع فيه خصمه . ولهذا مدح الله رسوله باللين فقال :
" فبما رحمة من الله لنت لهم "
وقال لموسى وهارون :
" اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى "
. ودل قوله :
" فيطمع الذي في قلبه مرض "
مع أمره بحفظ الفرج وثنائه على الحافظين لفروجهم والحافظات ، ونهيه عن قربان الزنا ، أنه ينبغي للعبد ، إذا رأى من نفسه هذه الحالة ، وأنه يهش لفعل المحرم عندما يرى ، أو يمسع كلام من يهواه ، ويجد دواعي طمعه قد انصرفت إلى الحرام . فليعرف أن ذلك مرض . فليجتهد في إضعاف هذا المرض وحسم الخواطر الردية ، ومجاهدة نفسه على سلامتها من هذا المرض الخطر ، وسؤال الله العصمة والتوفيق ، وأن ذلك من حفظ الفرج المأمور به
|
|
|