عرض مشاركة واحدة
قديم 20-09-2007, 05:31 PM   #24 (permalink)
نسيم نجد
كاتب قدير
 
الصورة الرمزية نسيم نجد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581




افتراضي


الحلقة ( 8 )
ذكر المؤلف رحمه الله تفسير أيات سورة القصص و قصة موسى منذ أن ألقته أمه في اليم و كيف عاش مع فرعون في قصر الملك ثم أن هرب بعد أن استنصره الذي من شيعته على الذي من عدوه فقتله ثم خرج من مصر إلى مدين وعودته مرة أخرى إلى فرعون بالآيات و كيف أن فرعون لحقة وغرق في اليم ..حتى نهاية تفسير قصة موسى . فلما انتهى أورد المؤلف مجموعة من الفوائد الجليلة أضعها أمام المستفيد فلعل الله أن يفتح بها على قلوبنا .


فصل في ذكر بعض الفوائد والعبر في هذه القصة العجيبة
فمنها : أن آيات الله وعبره ، وأيامه في الأمم السابقة ، إنما يستفيد بها ويستنير ، المؤمنون ، فعلى حسب إيمان العبد ، تكون عبرته . وإن الله تعالى إنما يسوق القصص لأجلهم ، وأما غيرهم ، فلا يعبأ الله بهم ، وليس لهم منها نور وهدى .
فمنها : أن الله تعالى ، إذا أراد أمرا ، هيأ أسبابه ، وأتى بها شيئا فشيئا بالتدريج ، لا دفعة واحدة .
فمنها : أن الأمة المستضعفة ، ولو بلغت في الضعف ما بلغت ، لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسل ، عن طلب حقها ، ولا الإياس من ارتقائها إلى أعلى الأمور ، خصوصا إذا كانوا مظلومين ، كما استنقذ الله أمة بني إسرائيل ، الأمة الضعيفة ، من أسر فرعون وملإه ، ومكنهم في الأرض ، وملكهم بلادهم .
فمنها : أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة ، لا تأخذ حقها ، ولا تتكلم به ، لا يقوم لها أمر دينها ولا دنياها ، ولا يكون لها إمامة فيه . ومنها : لطف الله بأم موسى ، وتهوينه عليها المصيبة بالبشارة ، بأن الله سيرد إليها ابنها ، ويجعله من المرسلين .
فمنها :أن الله يقدر على عبده بعض المشاق ، لينيله سرورا أعظم من ذلك ، أو يدفع عنه شرا أكثر منه . كما قدر على أم موسى ، ذلك الحزن الشديد ، والهم البليغ ، الذي هو وسيلة إلى أن يصل إليها ابنها ، على وجه تطمئن به نفسها ، وتقر به عينها ، وتزداد به غبطة وسرورا .
فمنها : أن الخوف الطبيعي من الخلق ، لا ينافي الإيمان ولا يزيله ، كما جرى لأم موسى ، ولموسى من تلك المخاوف .
فمنها : أن الإيمان يزيد وينقص . وأن من أعظم ما يزيد به الإيمان ، ويتم به اليقين ، الصبر عند المزعجات ، والتثبيت من الله ، عند المقلقات ، كما قال تعالى :
" لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين "
أي : ليزداد إيمانها بذلك ، ويطمئن قلبها . ومنها أن من أعظم نعم الله على عبده وأعظم معونة للعبد على أموره ، تثبيت الله إياه ، وربط جأشه وقلبه عند المخاوف ، وعند الأمور المذهلة ، فإنه بذلك ، يتمكن من القول الصواب ، والفعل الصواب . بخلاف من استمر قلقه وروعه ، وانزعاجه ، فإنه يضيع فكره ، ويذهل عقله ، فلا ينتفع بنفسه في تلك الحال .
فمنها : أن العبد ـ ولو عرف أن القضاء والقدر ووعد الله نافذ لا بد منه فإنه لا يهمل فعل الأسباب ، التي أمر بها ، ولا يكون ذلك منافيا لإيمانه بخبر الله . فإن الله قد وعد أم موسى أن يرده عليها ، ومع ذلك ، اجتهدت في رده ، وأرسلت أخته لتقصه وتطلبه .
فمنها : جواز خروج المرأة في حوائجها ، وتكليمها للرجال ، من غير محذور ، كما جرى لأخت موسى ، وابنتي صاحب مدين . ومنها : جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاع ، والدلالة على من يفعل ذلك . ومنها : أن الله من رحمته بعبده الضعيف ، الذي يريد إكرامه ، أن يريه من آياته ، ويشهده من بيناته ، ما يزيد به إيمانه ، كما رد الله موسى إلى أمه ، لتعلم أن وعد الله حق .
فمنها : أن قتل الكافر ، الذي له عهد بعقد أو عرف ، لا يجوز . فإن موسى عليه السلام عد قتله القبطي الكافر ، ذنبا ، واستغفر الله منه .
فمنها : أن الذي يقتل النفوس بغير حق ، يعد من الجبارين ، الذين يفسدون في الأرض . ومنها : أن من قتل النفوس بغير حق ، وزعم أنه يريد الإصلاح في الأرض ، وتهييب أهل المعاصي ، فإنه كاذب في ذلك ، وهو مفسد كما حكى الله قول القبطي :
" إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين "
على وجه التقرير له ، لا الإنكار .
فمنها : أن إخبار الرجل غيره بما قيل فيه ، على وجه التحذير له من شر يقع فيه ، لا يكون ذلك نميمة ـ بل قد يكون واجبا ـ كما أخبر ذلك الرجل موسى ، ناصحا له ومحذرا .
فمنها : أنه إذا خاف القتل والتلف في الإقامة ، فإنه لا يلقي بيده إلى التهلكة ، ولا يستسلم لذلك ، بل يذهب عنه ، كما فعل موسى .
فمنها : أنه عند تزاحم المفسدتين ، إذا كان لا بد من ارتكاب إحداهما فإنه يرتكب الأخف منهما والأسلم . كما أن موسى ، لما دار الأمر بين بقائه في مصر ، ولكنه يقتل ، أو يذهب إلى بعض البلدان البعيدة ، التي لا يعرف الطريق إليها ، وليس معه دليل يدله غير ربه ، ولكن هذه الحالة أرجى للسلامة من الأولى ، فتبعها موسى . ومنها : أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى التكلم فيه ، إذا لم يترجح عنده أحد القولين ، فإنه يستهدي ربه ، ويسأله أن يهديه الصواب من القولين ، بعد أن يقصد بقلبه الحق ، ويبحث عنه ، فإن الله لا يخيب من هذه حاله . كما خرج موسى تلقاء مدين فقال :
" عسى ربي أن يهديني سواء السبيل "
فمنها : أن الرحمة بالخلق ، والإحسان على من يعرف ومن لا يعرف ، من أخلاق الأنبياء ، وأن من الإحسان سقي الماشية الماء ، وإعانة العاجز .
فمنها : استحباب الدعاء بتبيين الحال وشرحها ، ولو كان الله عالما لها؛ لأنه تعالى ، يحب تضرع عبده وإظهار ذله ومسكنته ، كما قال موسى :
" رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير "
فمنها :أن الحياء ـ خصوصا من الكرام ـ من الأخلاق الممدوحة .
فمنها : أن المكافأة على الإحسان ، لم يزل دأب الأمم السابقين .
فمنها : أن العبد إذا عمل العمل لله تعالى ، ثم حصل له مكافأة عليه ، من غير قصد بالقصد الأول ، فإنه لا يلام على ذلك ، كما قبل موسى مجازاة صاحب مدين ، عن معروفه الذي لم يبتغ له ، ولم يستشرف بقلبه على عوض .
فمنها : مشروعية الإجارة ، وأنها تجوز على رعاية الغنم ونحوها ، مما لا يقدر به العمل ، وإنما مرده ، العرف .
فمنها : أن خطبة الرجل لابنته الذي يتخيره ، لا يلام عليه .
فمنها : أن خير أجير وعامل يعمل للإنسان ، أن يكون قويا أمينا .
فمنها : أن من مكارم الأخلاق ، أن يحسن خلقه لأجيره وخادمه ، ولا يشق عليه بالعمل لقوله :
" وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين "
فمنها :جواز عقد الإجارة وغيرها من العقود ، من دون إشهاد لقوله :
" والله على ما نقول وكيل "
فمنها : ما أجرى الله على يد موسى من الآيات البينات ، والمعجزات الظاهرة ، من الحية ، وانقلاب يده بيضاء من غير سوء ، ومن عصمة الله لموسى وهارون ، من فرعون ، ومن الغرق .
فمنها : أن من أعظم العقوبات أن يكون الإنسان إماما في الشر ، وذلك بحسب معارضته لآيات الله وبيناته . كما أن أعظم نعمة أنعم الله بها على عبده ، أن يجعله إماما في الخير هاديا مهديا .
فمنها : ما فيها من الدلالة على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث أخبر بذلك تفصيلا ، وتأصيلا موافقا ، قصه قصا ، صدق به المرسلين؛ وأيد به الحق المبين ، من غير حضور شيء من تلك الوقائع؛ ولا مشاهدة لموضع واحد من تلك المواضع؛ ولا تلاوة درس فيها شيئا من هذه الأمور؛ ولا مجالسة أحد من أهل العلم؛ إن هو إلا رسالة الرحمن الرحيم؛ ووحي أنزله عليه الكريم المنان؛ لينذر به قوما جاهلين؛ وعن النذر والرسل غافلين . فصلوات الله وسلامه؛ على من مجرد خبره ينبىء أنه رسول الله؛ ومجرد أمره ونهيه ينبه العقول النيرة؛ أنه من عند الله . كيف وقد تطابق على صحة ما جاء به وصدقه الأولين والآخرين . والشرع الذي جاء به من رب العاليمن ، وما جبل عليه من الأخلاق الفاضلة؛ التي لا تناسب؛ ولا تصلح إلا لأعلى الخلق درجة؛ والنصر المبين لدينه وأمته . حتى بلغ دينه؛ مبلغ الليل والنهار؛ وفتحت أمته معظم بلدان الأمصار؛ بالسيف والسنان ، وقلوبهم بالعلم والإيمان . ولم تزل الأمم المعاندة؛ والملوك الكفرة؛ ترميه بقوس واحدة؛ وتكيد له المكايد؛ وتمكر لإطفائه؛ وإخفائه؛ وإخماده من الأرض وهو قد بهرها وعلاها ، لا يزداد إلا نموا ، ولا آياته وبراهينه إلا ظهورا . وكل وقت من الأوقات ، يظهر من آياته ، ما هو عبرة للعالمين ، وهداية للعالمين ، ونور وبصيرة للمتوسمين . والحمد لله وحده .

نسيم نجد غير متواجد حالياً