عرض مشاركة واحدة
قديم 20-09-2007, 12:49 AM   #21 (permalink)
نسيم نجد
كاتب قدير
 
الصورة الرمزية نسيم نجد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581




افتراضي


الحلقة ( 7 )

" ولما توجه تلقاء مدين "

أي : قاصدا بوجهه مدين ، وهو جنوبي فلسطين ، حيث لا ملك فيه لفرعون .

" قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل "

أي : وسط الطريق المختصر ، الموصل إليها ، بسهولة ورفق ، فهداه الله سواء السبيل ، فوصل إلى مدين .

" ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون "

مواشيهم ، وكانوا أهل ماشية كثيرة

" ووجد من دونهم "

أي : دون تلك الأمة

" امرأتين تذودان "

غنمهما ، عن حياض الناس ، لعجزهما عن مزاحمة الرجال ، وبخلهم ، وعدم مروءتهم ، السقي لهما .

" قال "

لهما موسى

" ما خطبكما "

أي : ما شأنكما بهذه الحالة .

" قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء "

أي : قد جرت العادة أنه لا يحصل لنا سقي حتى يصدر الرعاء مواشيهم ، فإذا خلا لنا الجو ، سقينا .

" وأبونا شيخ كبير "

أي : لا قوة له على السقي ، فليس فينا قوة ، نقتدر بها ، ولا لنا رجال ، يزاحمون الرعاء . فرق لهما موسى عليه السلام ورحمهما

" فسقى لهما "

غير طالب منهما الأجر ، ولا له قصد ، غير وجه الله تعالى . فلما سقى لهما ، وكان ذلك وقت شدة حر ، وسط النهار ، بدليل قوله :

" ثم تولى إلى الظل "

مستريحا لتلك الظلال بعد التعب .

" فقال "

في تلك الحالة ، مسترزقا ربه

" رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير "

أي : إني مفتقر للخير ، الذي تسوقه إلي ، وتيسره لي ، وهذا سؤال منه بحاله ، والسؤال بالحال ، أبلغ من السؤال بلسان المقال . فلم يزل في هذه الحالة ، داعيا ربه متملقا . وأما المرأتان ، فذهبتا إلى أبيهما ، وأخبرتاه بما جرى . فأرسل أبوهما ، إحداهما إلى موسى ، فجاءته

" تمشي على استحياء "

. وهذا يدل على كرم عنصرها ، وخلقها الحسن ، فإن الحياء من الأخلاق الفاضلة ، وخصوصا في النساء . ويدل على أن موسى عليه السلام ، لم يكن فيما فعله من السقي ، بمنزلة الأجير والخادم ، الذي لا يستحى منه عادة ، وإنما هو عزيز النفس ، رأت من حسن خلقه ، ومكارم أخلاقه ، ما أوجب لها الحياء منه .

" قالت "

له :

" إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا "

أي : لا لمن عليك ، بل أنت الذي ابتدأتنا بالإحسان ، وإنما قصده أن يكافئك على أحسانك . فأجابها موسى .

" فلما جاءه وقص عليه القصص "

من ابتداء السبب الموجب لهربه ، إلى أن وصل إليه

" قال "

مسكنا روعه ، جابرا قلبه :

" لا تخف نجوت من القوم الظالمين "

أي : ليذهب خوفك وروعك ، فإن الله نجاك منهم ، حيث وصلت إلى هذا المحل ، الذي ليس لهم عليه سلطان .

" قالت إحداهما "

أي : أحدى ابنتيه

" يا أبت استأجره "

أي : اجعله أجيرا عندك ، يرعى الغنم ويسقيها .

" إن خير من استأجرت القوي الأمين "

أي : إن موسى ، أولى من استؤجر ، فإنه جمع القوة والأمانة ، وخير أجير استؤجر ، من جمعهما ، القوة والقدرة ، على ما استؤجر عليه ، والأمانة فيه بعدم الخيانة . وهذان الوصفان ، ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملا ، بإجارة أو غيرها . فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما ، أو فقد إحداهما ، وأما باجتماعهما ، فإن العمل يتم ويكمل . وإنما قالت ذلك ، لأنها شاهدت من قوة موسى عند السقي لهما ، ونشاطه ، ما عرفت به قوته ، وشاهدت من أمانته وديانته ، وأنه رحمهما في حالة لا يرجى نفعهما ، وإنما قصده بذلك وجه الله تعالى .

" قال "

صاحب مدين لموسى

" إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني "

أي : تصير أجيرا عندي

" ثماني حجج "

أي : ثماني سنين .

" فإن أتممت عشرا فمن عندك "

تبرع منك ، لا شيء واجب عليك .

" وما أريد أن أشق عليك "

فأحتم عشر السنين ، وما أريد أن أستأجرك ، لأكلفك أعمالا شاقة ، وإنما استأجرتك ، لعمل سهل يسير ، لا مشقة فيه

" ستجدني إن شاء الله من الصالحين "

فرغبه في سهولة العمل ، وفي حسن المعاملة . وهذا يدل على أن الرجل الصالح ، ينبغي أن يحسن خلقه ، مهما أمكنه ، وأن الذي يطلب منه ، أبلغ من غيره .

" قال "

موسى عليه السلام ـ مجيبا له فيما طلبه منه ـ :

" ذلك بيني وبينك "

أي : هذا الشرط ، الذي أنت ذكرت ، رضيت به ، وقد تم فيما بيني وبينك .

" أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي "

سواء قضيت الثماني الواجبة ، أم تبرعت بالزائد عليها

" والله على ما نقول وكيل "

حافظ يراقبنا ، ويعلم ما تعاقدنا عليه . وهذا الرجل ، أبو المرأتين ، صاحب مدين ، ليس بشعيب النبي المعروف ، كما اشتهر عن كثير من الناس ، فإن هذا قول لم يدل عليه دليل . وغاية ما يكون ، أن شعيبا عليه السلام ، قد كانت بلده مدين ، هذه القضية ، جرت في مدين ، فأين الملازمة بين الأمرين ؟ . وأيضا ، فإنه غير معلوم ، أن موسى أدرك زمان شعيب ، فكيف بشخصه ؟ ولو كان ذلك الرجل شعيبا ، لذكره الله تعالى ، ولسمته المرأتان ، أيضا فإن شعيبا ، عليه الصلاة والسلام ، قد أهلك الله قومه بتكذيبهم إياه . ولم يبق إلا من آمن به . وقد أعاذ الله المؤمنين به ، أن يرضوا لبنتي نبيهم ، وبمنعهما عن الماء ، وصد ماشيتهما ، حتى يأتيهما رجل غريب ، فيحسن إليهما ، ويسقي ماشيتهما . وما كان شعيب ، ليرضى أن يرعى موسى عنده ، ويكون خادما له ، وهو أفضل منه ، وأعلى درجة ، إلا أن يقال : هذا قبل نبوة موسى ، فلا منافاة . وعلى كل حال ، لا يعتمد على أنه شعيب النبي ، بغير نقل صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم .

نسيم نجد غير متواجد حالياً