18-09-2007, 05:33 PM
|
#20 (permalink)
|
|
كاتب قدير
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581
|
الحلقة ( 6 )
هذه الحلقة قد تكون مطولة و لكن تحمل من العبر و الفوائد الشيء الكثير و آثرت أن لا أقسمها على حلقات , فأسأل الله أن ينفعنا بما علمنا و أن يعلمنا ماينفعنا و أن يتقبل من .
سورة النمل
" ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داود "
الى آخر القصة يذكر في هذا القرآن ، وينوه بمنته على داود وسليمان ابنه ، بالعلم الواسع الكثير ، بدليل التنكير ، كما قال تعالى :
" وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما "
الآية .
" وقالا "
شاكرين لربهما منته ، الكبرى بتعليمهما :
" الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين "
فحمدا لله على جعلهما من المؤمنين ، أهل السعادة ، وأنهما كانا من خواصهم . ولا شك أن المؤمنين أربع درجات : الصالحون ، ثم فوقهم : الشهداء ، ثم فوقهم : الصديقون ، ثم فوقهم : الأنبياء . وداود وسليمان ، من خواص الرسل ، وإن كانا دون درجة أولي العزم الخمسة . لكنهما من جملة الرسل الفضلاء الكرام ، الذين نوه الله بذكرهم ، ومدحهم في كتابه ، مدحا عظيما ، فحمدا الله على بلوغ هذه المنزلة . وهذا عنوان سعادة العبد ، أن يكون شاكرا لله على نعمه ، الدينية والدنيوية ، وأن يرى جميع النعم من ربه . فلا يفخر بها ولا يعجب بها ، بل يرى أنها تستحق عليه شكرا كثيرا . فلما مدحهما مشتركين ، خص سليمان ، بما خصه به ، لكون الله أعطاه ملكا عظيما ، وصار له من المجريات ، ما لم يكن لأبيه ، صلى الله عليهما وسلم ، فقال :
" وورث سليمان داود "
أي : ورث علمه ونبوته ، فانضم علم أبيه إلى علمه ، فلعله ، تعلم من أبيه ما عنده ، من العلم ، مع ما كان عليه من العلم وقت أبيه ، كما تقدم من قوله ففهمناها سليمان . وقال : شكرا لله ، وتبجحا بإحسانه ، وتحدثا بنعمته :
" يا أيها الناس علمنا منطق الطير "
فكان عليه الصلاة والسلام ، يفقه ما تقول ، وتتكلم به ، كما راجع الهدهد ، وراجعه ، وكما فهم قول النملة للنمل ، كما يأتي ، وهذا ، لم يكن لأحد غير سليمان عليه السلام .
" وأوتينا من كل شيء "
أي : أعطانا الله من النعم ، ومن أسباب الملك ، ومن السلطنة والقهر ، ما لم يؤت أحدا من الآدميين . ولهذا دعا ربه فقال :
" رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي "
فسخر الله له الشياطين ، يعملون له كل ما شاء ، من الأعمال ، التي يعجز عنها غيرهم ، وسخر له الريح ، غدوها شهر ، ورواحها شهر .
" إن هذا "
الذي أعطانا الله ، وفضلنا ، واختصنا به
" لهو الفضل المبين "
الواضح الجلي ، فاعترف أكمل اعتراف بنعمة الله تعالى .
" وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون "
أي : جمع له جنوده الكثيرة ، الهائلة ، المتنوعة ، من بني آدم ، ومن الجن ، والشياطين ، ومن الطيور فهم يوزعون ، يدبرون ، ويرد أولهم على آخرهم ، وينظمون غاية التنظيم ، في سيرهم ونزولهم ، وحلهم ، وترحالهم قد استعد لذلك ، وأعد له عدته . وكل هذه الجنود مؤتمرة بأمره ، لا تقدر على عصيانه ، ولا تتمرد عليه ، كما قال تعالى :
" هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك "
أي : أعط بغير حساب ، فسار بهذه الجنود الضخمة في بعض أسفاره .
" حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة "
منبهة لرفقتها ، وبني جنسها :
" يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون "
. فنصحت هذه النملة ، وأسمعت النمل ، إما بنفسها ، ويكون الله قد أعطى النمل أسماعا خارقة للعادة ، لأن التنبيه للنمل ، الذي قد ملأ الوادي بصوت نملة واحدة ، من أعجب العجائب . وإما بأنها أخبرت من حولها من النمل ، ثم سرى الخبر من بعضهن لبعض ، حتى بلغ الجميع ، وأمرتهن بالحذر ، والطريق في ذلك ، وهو دخول مساكنهن . وعرفت حالة سليمان وجنوده ، وعظمة سلطانه ، واعتذرت عنهم ، أنهم إن حطموكم ، فليس عن قصد منهم ، ولا شعور ، فسمع سليمان عليه الصلاة والسلام قولها ، وفهمه .
" فتبسم ضاحكا من قولها "
إعجابا منه ، بنصح أمتها ، ونصحها ، وحسن تعبيرها . وهذا حال الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، الأدب الكامل ، والتعجب في موضعه ، وأن لا يبلغ بهم الضحك ، إلا إلى التبسم . كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم جل ضحكه ، التبسم ، فإن القهقهة ، تدل على خفة العقل ، وسوء الأدب . وعدم التبسم والعجب ، مما يتعجب منه ، يدل على شراسة الخلق ، والجبروت . والرسل منزهون عن ذلك . وقال شاكرا لله ، الذي أوصله إلى هذه الحال :
" رب أوزعني "
أي : ألهمني ووفقني
" أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي "
. فإن النعمة على الوالدين ، نعمة على الولد . فسأل ربه ، التوفيق للقيام بشكر نعمته ، الدينية ، والدنيوية ، عليه وعلى والديه .
" وأن أعمل صالحا ترضاه "
أي : ووفقني أن أعمل صالحا ترضاه ، لكونه موافقا لأمرك ، مخلصا فيه ، سالما من المفسدات والمنقصات .
" وأدخلني برحمتك "
التي منها الجنة
" في "
جملة
" عبادك الصالحين "
فإن الرحمة مجعولة للصالحين ، على اختلاف درجاتهم ومنازلهم . فهذا نموذج ، ذكره الله من حالة سليمان ، عند سماعه خطاب النملة ونداءها . ثم ذكر نموذجا آخر من مخاطبته للطير فقال :
" وتفقد الطير "
دل هذا ، على كمال عزمه وحزمه ، وحسن تنظيمه لجنوده ، وتدبيره بنفسه ، للأمور الصغار والكبار . حتى إنه لم يهمل هذا الأمر ، وهو : تفقد الطيور ، والنظر ، هل هي موجودة كلها ، أم مفقود منها شيء ؟ وهذا هو المعنى للآية . ولم يصنع شيئا من قال : إنه تفقد الطير ، لينظر أين الهدهد منه ، ليدله على بعد الماء وقربه ، كما زعموا عن الهدهد ، أنه يبصر الماء تحت الأرض الكثيفة ، فإن هذا القول ، لا يدل عليه دليل ، بل الدليل العقلي واللفظي ، دال على بطلانه . أما العقلي : فإنه قد عرف بالعادة ، والتجارب ، والمشاهدات ، أن هذه الحيوانات كلها ، ليس منها شيء يبصر هذا البصر الخارق للعادة ، وينظر الماء تحت الأرض الكثيفة ، ولو كان كذلك ، لذكره الله ، لأنه من أكبر الآيات . وأما الدليل اللفظي : فلو أريد هذا المعنى ، لقال : « وطلب الهدهد لينظر له الماء ، فلما فقده قال ما قال » أو « فتش عن الهدهد ، أو بحث عنه » ونحو ذلك من العبارات . وإنما تفقد الطير ، لينظر الحاضر منها والغائب ، ولزومها للمراكز والمواضع ، التي عينها لها . وأيضا فإن سليمان عليه السلام ، لا يحتاج ، ولا يضطر إلى الماء ، بحيث يحتاج لهندسة الهدهد . فإن عنده من الشياطين ، والعفاريت ، ما يحفرون له الماء ، ولو بلغ في العمق ما بلغ . وسخر الله له الريح ، غدوها شهر ، ورواحها شهر ، فكيف ـ مع ذلك ـ يحتاج إلى الهدهد ؟ وهذه التفاسير ، التي توجد ، وتشتهر بها أقوال ، لا يعرف غيرها ، تنقل هذه الأقوال عن بني إسرائيل ، مجردة ، ويغفل الناقل عن مناقضتها للمعاني الصحيحة ، وتطبيقها على الأقوال ، ثم لا تزال تتناقل ، وينقلها المتأخر مسلما للمتقدم ، حتى يظن أنها الحق . فيقع من الأقوال الردية في التفاسير ، ما يقع . واللبيب الفطن ، يعرف أن هذا القرآن الكريم ، العربي المبين ، الذي خاطب الله به الخلق كلهم ، عالمهم ، وجاهلهم ، وأمرهم بالتفكر في معانيه ، وتطبيقها على ألفاظه العربية المعروفة المعاني ، التي لا تجهلها العرب العرباء ، وإذا وجد أقوالا منقولة عن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ردها إلى هذا الأصل . فإن وافقه ، قبلها ، لكون اللفظ دالا عليها ، وإن خالفته لفظا ومعنى ، أو لفظا أو معنى ، ردها ، وجزم ببطلانها ، لأن عنده أصلا معلوما ، مناقضا لها ، وهو ما يعرفه من معنى الكلام ودلالته . والشاهد أن تفقد سليمان عليه السلام للطير ، وفقده الهدهد ، يدل على كمال حزمه وتدبيره للملك بنفسه ، وكمال فطنته ، حتى تفقد هذا الطائر الصغير
" فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين "
أي : هل عدم رؤيتي إياه ، لقلة فطنتي به ، لكونه خفيا بين هذه الأمم الكثيرة ؟ . أم على بابها ، بأن كان غائبا من غير إذني ، ولا أمري ؟ . فحينئذ تغيظ عليه ، وتوعده فقال :
" لأعذبنه عذابا شديدا "
دون القتل ،
" أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين "
أي : حجة واضحة على تخلفه . وهذا من كمال ورعه وإنصافه ، أنه لم يقسم على مجرد عقوبته ، بالعذاب أو القتل ، لأن ذلك لا يكون إلا من ذنب . وغيبته ، قد تحتمل أنها لعذر واضح ، فلذلك استثناه ، لورعه وفطنته .
" فمكث غير بعيد "
ثم جاء ، وهذا يدل على هيبة جنوده منه ، وشدة أئتمارهم لأمره ، حتى إن هذا الهدهد ، الذي خلفه العذر الواضح ، لم يقدر على التخلف زمنا كثيرا . ( فقال ) لسليمان
" أحطت بما لم تحط به "
عندي من العلم ، علم ما أحطت به ، على علمك الواسع ، وعلو درجتك فيه .
" وجئتك من سبإ "
القبيلة ، المعروفة في اليمن
" بنبإ يقين "
أي : خبر متيقن .
ثم فسر هذا النبأ فقال :
" إني وجدت امرأة تملكهم "
أي : تملك قبيلة سبأ ، وهي امرأة
" وأوتيت من كل شيء "
يؤتاه الملوك ، من الأموال ، والسلاح ، والجنود ، والحصون ، والقلاع ونحو ذلك .
" ولها عرش عظيم "
أي : كرسي ملكها ، الذي تجلس عليه ، عرش هائل . وعظم العروش ، تدل على عظمة المملكة وقوة السلطان وكثرة رجال الشورى .
" وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله "
أي : هم مشركون يعبدون الشمس .
" وزين لهم الشيطان أعمالهم "
فرأوا ما هم عليه هو الحق .
" فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون "
لأن الذي يرى أن الذي هو عليه حق ، لا مطمع في هدايته حتى تتغير عقيدته . ثم قال :
" إلا "
أي : هلا
" يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض "
أي : يعلم الخفي الخبيء ، في أقطار السموات ، وأنحاء الأرض ، من صغار المخلوقات ، وبذور النباتات ، وخفايا الصدور . ويخرج خبء الأرض والسماء ، بإنزال المطر ، وإنبات النباتات ، ويخرج خبء الأرض عند النفخ في الصور وإخراج الأموات من الأرض ، ليجازيهم بأعمالهم
" ويعلم ما تخفون وما تعلنون "
" الله لا إله إلا هو "
أي : لا تنبغي العبادة ، والإنابة ، والذل ، والحب ، إلا له ، لأنه المألوه ، لما له من الصفات الكاملة ، والنعم الموجبة لذلك .
" رب العرش العظيم "
الذي هو سقف المخلوقات ووسع الأرض والسموات . فهذا الملك ، عظيم السلطان ، كبير الشأن ، هو الذي يذل له ، ويخضع ، يسجد له ، ويركع . فسلم الهدهد ، حين ألقي إليه هذا النبأ العظيم ، وتعجب سليمان كيف خفي عليه . وقال مثبتا لكمال عقله ورزانته :
" سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا "
وسيأتي نصه
" فألقه إليهم ثم تول عنهم "
أي : استأخر غير بعيد
" فانظر ماذا يرجعون "
إليك وما يتراجعون به . فذهب به فألقاه عليها ، فقالت لقومها :
" إني ألقي إلي كتاب كريم "
أي : جليل المقدار ، من أكبر ملوك الأرض . ثم بينت مضمونه فقالت :
" إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين "
أي : لا تكونوا فوقي ، بل اخضعوا تحت سلطاني ، وانقادوا لأوامري ، وأقبلوا إلي مسلمين . وهذا في غاية الوجازة ، مع البيان التام ، فإنه تضمن نهيهم عن العلو عليه ، والبقاء على حالهم ، التي هم عليها والانقياد لأمره ، والدخول تحت طاعته ، ومجيئهم إليه ، ودعوتهم إلى الإسلام . وفيه استحباب ابتداء الكتب بالبسملة كاملة ، وتقديم الاسم في أول عنوان الكتاب . فمن حزمها وعقلها ، أن جمعت كبار دولتها ، ورجال مملكتها وقالت :
" يا أيها الملأ أفتوني في أمري "
أي : أخبروني ، ماذا نجيبه به ؟ وهل ندخل تحت طاعته ، وننقاد ؟ أم ماذا نفعل ؟
" ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون "
أي : ما كنت مستبدة بأمر ، دون رأيكم ومشورتكم .
" قالوا نحن أولوا قوة وأولو بأس شديد "
أي : إن رددت عليه قوله ، ولم تدخلي في طاعته ، فإنا أقوياء على القتال . فكأنهم مالوا إلى هذا الرأي ، الذي لو تم ، لكان فيه دمارهم . ولكنهم أيضا لم يستقروا عليه ، بل قالوا :
" والأمر إليك "
أي : الرأي ما رأيت ، لعلمهم بعقلها ، وحزمها ، ونصحها لهم
" فانظري "
نظر فكر وتدبر
" ماذا تأمرين "
. فقالت لهم ـ مقنعة لهم بالعدول عن رأيهم ، ومبينة سوء مغبة القتال ـ
" إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها "
قتلا ، وأسرا ، ونهبا لأموالها ، وتخريبا لديارها .
" وجعلوا أعزة أهلها أذلة "
أي : جعل الرؤساء السادة ، أشراف الناس من الأرذلين ، أي : فهذا رأي غير سديد . وأيضا فلست بمطيعة له ، قبل الاحتيال ، وإرسال من يكشف عن أحواله ويتدبرها . وحينئذ نكون على بصيرة من أمرنا . فقالت :
" وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون "
منه . هل يستمر على رأيه قوله ؟ أم تخدعه الهدية ، وتتبدل فكرته ، وكيف أحواله وجنوده ؟ فأرسلت إليه بهدية ، مع رسل من عقلاء قومها ، وذوي الرأي منهم .
" فلما جاء سليمان "
أي : جاءه الرسل بالهدية ( قال ) منكرا عليهم ومتغيظا على عدم إجابتهم :
" أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم "
فليست تقع عندي موقعا ، ولا أفرح بها ، قد أغناني الله عنها ، وأكثر علي النعم .
" بل أنتم بهديتكم تفرحون "
لحبكم للدنيا ، وقلة ما بأيديكم ، بالنسبة لما أعطاني الله . ثم أوصى الرسول من غير كتاب ، لما رأى من عقله ، وأنه سينقل كلامه عى وجهه فقال :
" ارجع إليهم "
أي : بهديتك
" فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم "
أي : لا طاقة لهم
" بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون "
، فرجع إليهم ، وأبلغهم ما قال سليمان ، وتجهزوا للمسير إلى سليمان . وعلم سليمان أنهم لا بد أن يسيروا إليه ، فقال لمن حضره من الجن والإنس :
" أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين "
أي : لأجل أن نتصرف فيه ، قبل أن يسلموا ، فتكون أموالهم محترمة
" قال عفريت من الجن "
والعفريت هو : القوي النشيط جدا :
" أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين "
، والظاهر أن سليمان إذ ذاك ، في الشام ، فيكون بينه وبين سبأ ، نحو مسيرة أربعة أشهر ، شهران ذهابا ، وشهران إيابا ، ومع ذلك ، يقول هذا العفريت : أنا ألتزم بالمجيء به ، على كبره وثقله . وبعده ، قبل أن تقوم من مجلسك ، الذي أنت فيه . والمعتاد من المجالس الطويلة ، أن تكون معظم الضحى ، نحو ثلث يوم ، هذا نهاية المعتاد ، وقد يكون دون ذلك ، أو أكثر . وهذا الملك العظيم ، الذي عند آحاد رعيته ، هذه القوة ، والقدرة ، وأبلغ من ذلك أن
" قال الذي عنده علم من الكتاب "
قال المفسرون : هو رجل عالم ، صالح ، عند سليمان يقال له : « آصف بن برخيا » كان يعرف اسم الله الأعظم ، الذي إذا دعا الله به أجاب ، وإذا سأل به أعطي .
" أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك "
بأن يدعو الله بذلك الأسم ، فيحضر حالا ، وأنه دعا الله فحضر . فالله أعلم ، هل هذا هو المراد ، أم أن عنده علما من الكتاب ، يقتدر به على جلب البعيد ، وتحصيل الشديد ؟
" فلما رآه مستقرا عنده "
حمد الله تعالى على إقداره وملكه ، وتيسير الأمور له ،
" قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر "
أي : ليختبرني بذلك . فلم يغتر عليه السلام ، بملكه ، وسلطانه ، وقدرته ، كما هو دأب الملوك الجاهلين . بل علم أن ذلك اختبار من ربه فخاف أن لا يقوم بشكر هذه النعمة . ثم بين أن هذا الشكر ، لا ينتفع الله به ، وإنما يرجع نفعه إلى صاحبه ، فقال :
" ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم "
غني عن أعماله ، كريم ، كثير الخير ، يعم به الشاكر والكافر ، إلا أن شكر نعمه ، داع للمزيد منها ، وكفرها ، داع لزوالها . ثم قال لمن عنده
" نكروا لها عرشها "
أي : غيروه بزيادة ونقص ، ونحن في ذلك
" ننظر "
مختبرين لعقلها
" أتهتدي "
للصواب ، ويكون عندها ذكاء وفطنة تليق بملكها
" أم تكون من الذين لا يهتدون "
" فلما جاءت "
قادمة على سليمان ، عرض عليها عرشها ، وكان عهدها به ، قد خلفته في بلدها . و
" قيل أهكذا عرشك "
أي : أنه استقر عندنا ، أن لك عرشا عظيما ، فهل هو كهذا العرش ، الذي أحضرناه لك ؟
" قالت كأنه هو "
وهذا من ذكائها وفطنتها ، لم تقل « هو » لوجود التغيير فيه والتنكير ، ولم تنف أنه هو ، لأنها عرفته . فأتت بلفظ محتمل للأمرين ، صادق على الحالين . فقال سليمان متعجبا من هدايتها وعقلها ، وشاكرا لله ، أن أعطاه أعظم منها .
" وأوتينا العلم من قبلها "
أي : الهداية ، والعقل ، والحزم ، من قبل هذه الملكة .
" وكنا مسلمين "
وهي الهداية النافعة الأصلية . ويحتمل أن هذا من قول ملكة سبأ « وأوتينا العلم عن ملك سليمان وسلطانه ، فزيادة اقتداره ، من قبل هذه الحالة ، التي رأينا فيها قدرته ، على إحضار العرش ، من المسافة البعيدة ، فأذعنا له ، وجئنا مسلمين له خاضعين لسلطانه » . قال الله تعالى :
" وصدها ما كانت تعبد من دون الله "
أي : عن الإسلام وإلا فلها من الذكاء والفطنة ، ما به تعرف الحق من الباطل ، ولكن العقائد الباطلة ، تذهب بصيرة القلب
" إنها كانت من قوم كافرين "
فاستمرت على دينهم . وانفراد الواحد عن أهل الدين ، والعادة المستمرة بأمر ، يراه بعقله من ضلالهم وخطأهم ، من أندر ما يكون ، فلهذا لا يستغرب بقاؤها على الكفر . ثم إن سليمان أراد ، أن ترى من سلطانه ، ما يبهر العقول ، فأمرها أن تدخل الصرح ، وهو المجلس المرتفع المتسع ، وكان مجلسا من قوارير ، تجري تحته الأنهار .
" قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة "
ماء ، لأن القوارير شفافة ، يرى الماء الذي تحتها ، كأنه بذاته ، يجري ، ليس دونه شيء .
" وكشفت عن ساقيها "
لتخوضه ، وهذا أيضا من عقلها ، وأدبها ، فإنها لم تمتنع من الدخول للمحل ، الذي أمرت بدخوله ، لعلمها أنها لم تستدع إلا للإكرام وأن ملك سليمان وتنظيمه ، قد بناه على الحكمة ، ولم يكن في قلبها أدنى شك ، من حالة السوء بعد ما رأت ، ما رأت . فلما استعدت للخوض قيل لها
" إنه صرح ممرد "
أي : مجلس
" من قوارير "
فلا حاجة منك لكشف الساقين . فحينئذ لما وصلت إلى سليمان ، وشاهدت ما شاهدت ، وعلمت نبوته ورسالته ، ثابت ورجعت عن كفرها ، و
" قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين "
. فهذا ما قصه الله علينا ، من قصة ملكة سبأ ، وما جرى لها مع سليمان ، وما عدا ذلك من الفروع المولدة ، والقصص الإسرائيلية ، فإنه لا يتعلق بالتفسير لكلام الله ، وهو من الأمور ، التي يتوقف الجزم بها ، على الدليل المعلوم عن المعصوم . والمنقولات في هذا الباب كلها ، أو أكثرها ، ليس كذلك . فالحزم كل الحزم ، الإعراض ، عنها ، وعدم إدخالها في التفاسير والله أعلم .
|
|
|