15-09-2007, 05:44 PM
|
#12 (permalink)
|
|
كاتب قدير
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581
|
الحلقة ( 3 )
" الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم "
" الله نور السماوات والأرض "
الحسي والمعنوي ، وذلك أنه تعالى بذاته ، نور ، وحجابه نور ، الذي لو كشفه ، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ، وبه استنار العرش ، والكرسي ، والشمس ، والقمر والنور ، وبه استنارت الجنة . وكذلك المعنوي ، يرجع إلى الله ، فكتابه نور ، وشرعه نور ، والإيمان والمعرفة في قلوب رسله وعباده المؤمنين ، نور . فلولا نوره تعالى ، لتراكمت الظلمات ، ولهذا ، كل محل ، يفقد نوره فثم الظلمة والحصر .
" مثل نوره "
الذي يهدي إليه ، وهو نور الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين .
" كمشكاة "
أي : كوة
" فيها مصباح "
لأن الكوة ، تجمع نور المصباح حيث لا يتفرق . ذلك
" المصباح في زجاجة الزجاجة "
من صفائها وبهائها
" كأنها كوكب دري "
أي : مضيء إضاءة الدر .
" يوقد "
ذلك المصباح ، الذي في تلك الزجاجة الدرية
" من شجرة مباركة زيتونة "
أي : يوقد من زيت الزيتون الذي ناره ، من أنور ما يكون .
" لا شرقية "
فقط ، فلا تصيبها الشمس ، آخر النهار .
" ولا غربية "
فقط ، فلا تصيبها الشمس ، أول النهار . وإذا انتفى عنها الأمران ، كانت متوسطة من الأرض . كزيتون الشام ، تصيبه الشمس أول النهار وآخره ، فيحسن ويطيب ، ويكون أصفى لزيتها ، ولهذا قال :
" يكاد زيتها "
من صفائه
" يضيء ولو لم تمسسه نار "
فإذا مسته النار ، أضاء إضاءة بليغة
" نور على نور "
أي : نور النار ، ونور الزيت . ووجه هذا المثل ، الذي ضربه الله ، وتطبيقه على حالة المؤمن ، ونور الله في قلبه ، أن فطرته التي فطر عليها ، بمنزلة الزيت الصافي . ففطرته صافية ، مستعدة للتعاليم الإلهية ، والعمل المشروع ، فإذا وصل إليه العلم والإيمان ، اشتعل ذلك النور في قلبه ، بمنزلة إشعال النار ، فتيلة ذلك المصباح ، وهو صافي القلب ، من سوء القصد ، وسوء الفهم عن الله . إذا وصل إليه الإيمان ، أضاء إضاءة عظيمة ، لصفائه من الكدورات . وذلك بمنزلة صفاء الزجاجة الدرية ، فيجتمع له ، نور الفطرة ، ونور الإيمان ، ونور العلم ، وصفاء المعرفة ، نور على نوره . ولما كان هذا من نور الله تعالى ، وليس كل أحد يصلح له ذلك قال :
" يهدي الله لنوره من يشاء "
ممن يعلم زكاءه وطهارته ، وأنه يزكي معه ، وينمي .
" ويضرب الله الأمثال للناس "
ليعقلوا عنه ، ويفهموا ، لطفا منه بهم ، وإحسانا إليهم وليتضح الحق من الباطل ، فإن الأمثال تقرب المعاني المعقولة من المحسوسة ، فيعلمها العباد علما واضحا .
" والله بكل شيء عليم "
فعلمه محيط بجميع الأشياء . فلتعلموا أن ضربه الأمثال ، ضرب من يعلم حقائق الأشياء وتفاصيلها وأنها مصلحة للعباد . فليكن اشتغالكم بتدبرها وتعقلها ، لا بالاعتراض عليها ، ولا بمعارضتها ، فإنه يعلم ، وأنتم لا تعلمون . ولما كان نور الإيمان والقرآن أكثر وقوع أسبابه في المساجد ، ذكرها منوها بها فقال :
" في بيوت أذن الله "
إلى
" بغير حساب "
" في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب "
أي : يتعبد لله
" في بيوت "
عظيمة فاضلة ، هي أحب البقاع إليه ، وهي : المساجد .
" أذن الله "
أي : أمر ووصى
" أن ترفع ويذكر فيها اسمه "
هذان مجموع أحكام المساجد . فيدخل في رفعها ، بناؤها ، وكنسها وتنظيفها من النجاسات والأذى وصونها من المجانين والصبيان ، الذين لا يتحرزون عن النجاسات ، وعن الكافر ، وأن تصان عن اللغو فيها ، ورفع الأصوات بغير ذكر الله .
" ويذكر فيها اسمه "
يدخل في ذلك ، الصلاة كلها ، فرضها ، ونفلها ، وقراءة القرآن ، والتسبيح ، والتهليل ، وغيره من أنواع الذكر ، وتعلم العلم وتعليمه ، والمذاكرة فيها ، والاعتكاف ، وغير ذلك من العبادات ، التي تفعل في المساجد ، ولهذا كانت عمارة المساجد على قسمين : عمارة بنيان ، وصيانة لها ، وعمارة بذكر اسم الله ، من الصلاة وغيرها وهذا أشرف القسمين . ولهذا شرعت الصلوات الخمس ، والجمعة ، في المساجد ، وجوبا عند أكثر العلماء ، واستحبابا عند آخرين . ثم مدح تعالى ، عمارها بالعبادة فقال :
" يسبح له فيها "
إخلاصا
" بالغدو "
أول النهار
" والآصال "
آخره
" رجال "
. خص هذين الوقتين ، لشرفهما ولتيسر السير فيهما إلى الله ، وسهولته . ويدخل في ذلك ، التسبيح في الصلاة وغيرها ، ولهذا شرعت أذكار الصباح والمساء ، وأورادهما عند الصباح والمساء . أي : يسبح فيها الله ، رجال ، وأي رجال ، ليسوا ممن يؤثر على ربه دنيا ، ذات لذات ، ولا تجارة ومكاسب ، مشغلة عنه .
" لا تلهيهم تجارة "
وهذا يشمل كل تكسب يقصد به العوض ، فيكون قوله :
" ولا بيع "
من باب عطف الخاص على العام ، لكثرة الاشتغال بالبيع على غيره ، فهؤلاء الرجال ، وإن اتجروا ، وباعوا ، واشتروا ، فإن ذلك ، لا محذور فيه . لكنه لا تلهيهم تلك ، بأن يقدموها ويؤثروها على
" ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة "
بل جعلوا طاعة الله وعبادته ، غاية مرادهم ، ونهاية مقصدهم ، فما حال بينهم وبينها ، رفضوه . ولما كان ترك الدنيا ، شديدا على أكثر النفوس ، وحب المكاسب بأنواع التجارات ، محبوبا لها ، ويشق عليها تركه في الغالب ، وتتكلف من تقديم حق الله على ذلك ، ذكر ما يدعوها إلى ذلك ، ترغيبا وترهيبا ـ فقال :
" يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار "
من شدة هوله وإزعاجه القلوب والأبدان ، فلذلك خافوا ذلك اليوم ، فسهل عليهم العمل ، وترك ما يشغل عنه .
|
|
|