عرض مشاركة واحدة
قديم 14-09-2007, 02:33 PM   #7 (permalink)
نسيم نجد
كاتب قدير
 
الصورة الرمزية نسيم نجد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2004
الدولة: خلف خط الغروب
رقم العضوية :9006
المشاركات: 2,581




افتراضي


الحلقة ( 2 )
" ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون "
هذا من مكارم الأخلاق ، التي أمر الله رسوله بها فقال :
" ادفع بالتي هي أحسن السيئة "
أي : إذا أساء إليك أعداؤك ، بالقول والفعل ، فلا تقابلهم بالإساءة ، مع أنه يجوز معاقبة المسيء بمثل إساءته ، ولكن ادفع إساءتهم إليك ، بالإحسان منك إليهم ، فإن ذلك فضل منك على المسيء . ومن مصالح ذلك ، أنه تخف الإساءة عنك ، في الحال ، وفي المستقبل ، وأنه أدعى لجلب المسيء إلى الحق ، وأقرب إلى ندمه وأسفه ، ورجوعه بالتوبة عما فعل . ويتصف العافي بصفة الإحسان ، ويقهر بذلك عدوه الشيطان ، ويستوجب الثواب من الرب قال تعالى :
" فمن عفا وأصلح فأجره على الله "
وقال تعالى :
" ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها "
أي : ما يوفق لهذا الخلق الجميل
" إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم "
. وقوله :
" نحن أعلم بما يصفون "
أي : بما يقولون من الأقوال المتضمنة ، للكفر ، والتكذيب بالحق ، قد أحاط علمنا بذلك ، وقد حلمنا عنهم ، وأمهلناهم ، وصبرنا عليهم ، والحق لنا ، وتكذيبهم لنا . فأنت ـ يا محمد ـ ينبغي لك أن تصبر على ما يقولون ، وتقابلهم بالإحسان ، هذه وظيفة العبد في مقابلة المسيء من البشر . وأما المسيء من الشياطين ، فإنه لا يفيد فيه الإحسان . ولا يدعو حزبه ، إلا ليكونوا من أصحاب السعير . فالوظيفة في مقابلته ، أن يسترشد بما أرشد الله إليه رسوله فقال :
" وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون "
، أي : أعوذ بك من الشر ، الذي يصيبني بسبب مباشرتهم ، وهمزهم ومسهم ، ومن الشر ، الذي بسبب حضورهم ، ووسوستهم ، وهذه استعاذة من مادة الشر كله وأصله ، ويدخل فيها ، الاستعاذة من جميع نزغات الشيطان ، ومن مسه ووسوسته ، فإذا أعاذ الله عبده من هذا الشر ، وأجاب دعاءه ، سلم من كل شر ، ووفق لكل خير .
" حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون "
يخبر تعالى عن حال من حضره الموت ، من المفرطين الظالمين ، أنه يندم في تلك الحال ، إذا رأى مآله ، وشاهد قبح أعماله . فيطلب الرجعة إلى الدنيا ، لا للتمتع بلذاتها واقتطاف شهواتها وإنما ذلك ليقول :
" لعلي أعمل صالحا فيما تركت "
من العمل ، وفرطت في جنب الله .
" كلا "
أي : لا رجعة له ولا إمهال ، قد قضى الله أنهم إليها لا يرجعون ،
" إنها "
أي : مقالته التي تمنى فيها الرجوع إلى الدنيا
" كلمة هو قائلها "
أي : مجرد قول اللسان ، لا يفيد صاحبه إلا الحسرة والندم ، وهو أيضا غير صادق في ذلك ، فإنه لو رد لعاد لما نهي عنه .
" ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون "
أي : من أمامهم وبين أيديهم ، برزخ ، وهو الحاجز بين الشيئين ، فهو هنا : الحاجز بين الدنيا والآخرة . وفي هذا البرزخ ، يتنعم المطيعون ، ويعذب العاصون ، من ابتداء موتهم ، واستقرارهم في قبورهم ، إلى يوم يبعثون ، أي : فليعدوا له عدته ، وليأخذوا له أهبته .
" فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون "
يخبر تعالى عن هول يوم القيامة ، وما في ذلك ، من المزعجات والمقلقات ، وأنه إذا نفخ في الصور ، نفخة البعث ، فحشر الناس أجمعون ، لميقات يوم معلوم ، أنه يصيبهم من الهول ، ما ينسيهم أنسابهم ، التي هي أقوى الأسباب ، فغير الأنساب ، من باب أولى ، وأنه لا يسأل أحد أحدا ، عن حاله ، لاشتغاله بنفسه ، فلا يدري هل ينجو نجاة لا شقاوة بعدها ؟ أو يشقى شقاوة لا سعادة بعدها ؟ قال تعالى :
" فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه "
. وفي القيامة مواضع ، يشتد كربها ، ويعظم وقعها ، كالميزان الذي يميز به أعمال العبد ، وينظر فيه بالعدل ، ما له ، وما عليه ، وتبين فيه مثاقيل الذر ، من الخير والشر .
" فمن ثقلت موازينه "
بأن رجحت حسناته على سيئاته
" فأولئك هم المفلحون "
لنجاتهم من النار ، واستحقاقهم الجنة ، وفوزهم بالثناء الجميل .
" ومن خفت موازينه "
بأن رجحت سيئاته على حسناته ، وأحاطت بها خطيئاته
" فأولئك الذين خسروا أنفسهم "
كل خسارة ، غير هذه الخسارة ، فإنها ـ بالنسبة إليها ـ سهلة . ولكن هذه خسارة صعبة ، لا يجبر مصابها ، ولا يستدرك فائتها . خسارة أبدية ، وشقاوة سرمدية ، قد خسر نفسه الشريفة ، التي يتمكن بها من السعادة الأبدية ففوتها هذا النعيم المقيم ، في جوار الرب الكريم .
" في جهنم خالدون "
لا يخرجون منها أبد الآبدين ، وهذا الوعيد ، إنما هو كما ذكرنا ، لمن أحاطت خطيئاته بحسناته ، ولا يكون ذلك ، إلا كافرا ، فعلى هذا ، لا يحاسب محاسبة من توزن حسناته وسيئاته ، فإنهم لا حسنات لهم ، ولكن تعد أعمالهم ، وتحصى ، فيقفون عليها ، ويقررون بها ، ويخزون بها ، وأما من معه أصل الإيمان ، ولكن عظمت سيئاته ، فرجحت على حسناته ، فإنه وإن دخل النار ، لا يخلد فيها ، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة . ثم ذكر تعالى ، سوء مصير الكافرين فقال :
" تلفح وجوههم النار "
أي : تغشاهم من جميع جوانبهم ، حتى تصيب أعضاءهم الشريفة ، ويتقطع لهبها عن وجوههم .
" وهم فيها كالحون "
قد عبست وجوههم ، وقلصت شفاههم ، من شدة ما هم فيه ، وعظيم ما يلقونه .

فيقال لهم ـ توبيخا ولوما ـ :
" ألم تكن آياتي تتلى عليكم "
تدعون بها ، لتؤمنوا ، وتعرض عليكم لتنظروا ،
" فكنتم بها تكذبون "
ظلما منكم ، وعنادا ، وهي آيات بينات ، دالات على الحق والباطل ، مبينات للمحق والمبطل . فحينئذ أقروا بظلمهم ، حيث لا ينفع الإقرار و
" قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا "
أي : غلبت علينا الشقاوة الناشئة عن الظلم والإعراض عن الحق ، والإقبال على ما يضر ، وترك ما ينفع .
" وكنا قوما ضالين "
في عملهم ، وإن كانوا يدرون أنهم ظالمون ، أي : فعلنا في الدنيا ، فعل التائه ، الضال السفيه ، كما قالوا في الآية الأخرى .
" وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير "
" ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون "
وهم كاذبون في وعدهم هذا ، فإنهم كما قال تعالى :
" ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه "
، ولم يبق الله لهم حجة ، بل قطع أعذارهم ، وغرهم في الدنيا ، ما يتذكر فيه من تذكر ، ويرتدع فيه المجرم ، فقال الله جوابا لسؤالهم .
" اخسؤوا فيها ولا تكلمون "
وهذا القول ـ نسأله تعالى العافية ـ أعظم قول على الإطلاق يسمعه المجرمون في التخييب ، والتوبيخ ، والذل ، والخسار ، والتأبيس من كل خير ، والبشرى بكل شر . وهذا الكلام والغضب من الرب الرحيم ، أشد عليهم وأبلغ في نكايتهم من عذاب الجحيم . ثم ذكر الحال التي أوصلتهم إلى العذاب ، وقطعت عنهم الرحمة فقال :
" إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين "
فجمعوا بين الإيمان المقتضي لأعماله الصالحة ، والدعاء لربهم بالمغفرة والرحمة ، والتوسل إليه بربوبيته ، ومنته عليهم بالإيمان ، والإخبار بسعة رحمته ، وعموم إحسانه . وفي ضمنه ، ما يدل على خضوعهم ، وخشوعهم ، وانكسارهم لربهم ، وخوفهم ورجائهم . فهؤلاء سادات الناس وفضلائهم
" فاتخذتموهم "
أيها الكفرة الأنذال ناقصو العقول والأحلام
" سخريا "
تهزؤون بهم ، وتحتقرونهم ، حتى اشتغلتم بذكر السفه .
" حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون "
وهذا الذي أوجب لهم نسيان الذكر ، اشتغالهم بالاستهزاء بهم ، كما أن نسيانهم للذكر ، يحثهم على الاستهزاء . فكل من الأمرين يمد الآخر ، فهل فوق هذه الجرأة جرأة ؟ !
" إني جزيتهم اليوم بما صبروا "
على طاعتي ، وعلى أذاكم ، حتى وصلوا إلي .
" أنهم هم الفائزون "
بالنعيم المقيم ، والنجاة من الجحيم ، كما قال في الآية الأخرى :
" فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون "
الآيات . ( قال ) لهم على وجه اللوم ، وأنهم سفهاء الأحلام ، حيث اكتسبوا في هذه المدة اليسيرة ، كل شر أوصلهم إلى غضبه وعقوبته ، ولم يكتسبوا ، ما اكتسبه المؤمنون من الخير ، الذي يوصلهم إلى السعادة الدائمة ، ورضوان ربهم .

و نلقاكم بإذن الله على خير

نسيم نجد غير متواجد حالياً